و عـــرفت أنني قُــتلت ..
و بحـــثوا عـــن جــــثتي في المــقـاهي و المـــدافـن و الكـــنائس ..
فتحوا البراميل و الخزائن .. سرقوا ثلاث جثث و نزعوا أسنانهم ..
و لكنهم لم يجدوني قط."
*لوركا.
لم يتنبأ الشاعر بموته فقط و لكن بإختفاء جثته أيضاً. و هذا ما كان!! ظلت الجثة مختفية منذ 72 عاماً حتى الآن، و لم تبدأ السلطات الإسبانية في البحث عنها إلا منذ سنوات قليلة. و لم تصل بعد إلى نتيجة. و لكن هناك بقعة من الأرض على سفوح مدينة غرناطة، مدينة الشاعر الأثيرة، يقال إنها تحديداً المكان الذي تم إعدامه فيه فجراً، و تمت موراته قبل بزوغ الضوء و قبل أن يكتشف إغتياله أحد. كان قد كتب هذه القصيدة قبل موته بأيام، عندما كان مختبئاً يتنقل من بيت لبيت، و مع كل هروب كان تصل إليه أنباء عن إغتيال أقاربه و أصدقائه، يدرك أنه لا مهرب و أن الحلقة الجهنمية تستحكم حول رقبته، أصبح من المحتم أن تعثر عليه كتائب الموت، و تقتاده إلى مكان مجهول و تُنكر وجوده بحوزتها حتى تمحوه من الوجود، و لكن في هذه الأيام فقط صدر قانون في إسبانيا يُتيح لها الفرصة حتى تستعيد جزء من ذاكرتها المفقودة، تلك التي نشطت أيام الحرب الأهلية، عندما إنقسمت الدار على أهلها و تحول الإخوة إلى غُرماء، و لم يهدأ صراعهما إلا حين ضمهما معاً سكان القبور، الآن تبدأ إسبانيا سعيها الحثيث للبحث عن قبور أكثر من مائة ألف مفقود من بينها قبر هذا الشاعرالوحيد.
قُتل إبن غرناطة "فردريكو جارسيا لوركا" قبل أن يكتمل عمره و ينطق بقصيدته الأخيرة، كان لا يحرص على نشر قصائده.. يفضل أن يُلقيها بنفسه حتى تكتسب نفخة من روحه، و لأن قدره كان محكوماً بعمر لا يزيد عن الستة و ثلاثين عاماً فقد إكتملت موهبته دفعةً واحدةً، و برزت نقاط قوته و ضعفه في الوقت ذاته، كان شاعراً وكاتباً و مسرحياً و رساماً و موسيقياً و ممثلاً. كل موهبة منها تستلزم عمراً كاملاً، و لكنه عاش كل هذه الأعمار دفعة واحدة، لم يُضيع عمراً طويلاً في التعليم الرسمي، و في الجامعة رسب في مادة التاريخ الإسباني و كتب أحدهم ساخراً و متنبئاً:
"هؤلاء الأساتذة الذين تسببوا في رسوبه سيُرغمون على تدريس أعماله و أشعاره لطلابهم".
كان يمتلك ذاكرة برية تسكنها الحكايت الشعبية و أغنيات الغجر و إيقاع الفلامنكو، فتتفتح عن زهور وحشية الجمال و أشعار صاخبة و مسرحيات دامية مشحونة بقوة متدفقة من الإبداع، لم يكن متعجلاً للشهرة و لكنها دانت له حتى أطراف أصابعه، أصدقاؤه هم الذين جمعوا بعضاً من هذه القصائد لينشروها رغماً عنه، أول ديوان "كتاب القصائد" لم يختر بالطبع إسم الديوان لكنه حقق له بعضاً من الشهرة، كانت حافزاً له لمزيد من التحرر، إختلط بعالم الغجر الذين يعيشون على أطراف مدينة غرناطة، لأنهم لا يملكون شيئاً و لا يتملكهم شيئ، و حصيلة ذلك كان ديوان "حكايات شعبية" شهادة ميلاد لشخص ولد ليملك سحر الكلمة و عذوبتها، إنتشرت القصائد بين أبناء اللغة الإسبانية و تعدتها إلى أمريكا التي دعته للدراسة في جامعاتها، لكنها لم تكن تجربة ناجحة إنتهت سريعاً بعد أن عاش برهة من الزمن بين زنوج بروكلين المهمشين و كانت حصيلتها ديوان "شاعر في نيويورك".لكن شخصية "لوركا" الحقيقية تجلت على خشبة المسرح عندما كان يمزج المدى بالصمت، و يلامس الحقيقة و الخيال بعذوبة و قسوة، كان هذا زمن الحرب بصراعتها الدامية و خيانة الأصدقاء و موت الرومانسية، و إنطبع ذلك كله في أعماله :-
"رُقية الفراشة الملعونة".. "ماريا بنيدا" .. "عُرس الدم" .. "بيت برنارد ألبا" .. "الإسكافية العجيبة" .. شخصيات ليست من ورق، تعشق و تتعذب و تتحدى قدراً لا يرحم، و تؤمن بحريتها بعيداً عن كل القيود و فوق الصراعات السياسية.
"ما الإنسان دون حرية يا ماريانا؟ قولي لي كيف أستطيع أن أحبك إذا لم أكن حراً؟ كيف أهبك قلبي إذا لم يكن ملكي؟.." لكن ذلك لم يُنج الشاعر من قدره و يبدو كأنه إختار بإرادته لحظة موته حين قرر أن يترك مدريد و يعود إلى غرناطة المضطربة الحُبلى بالأحداث، أيام قليلة كانت قد مرت على إستيلاء الجنرال فرانكو على السلطة، و على إثر ذلك إنتشرت كتائب الموت التابعة له لتطهير البلاد من الجمهوريين و الشيوعيين و عندما وصل "لوركا" إلى المدينة وجد أنه قد أُلقي القبض على زوج شقيقته الصغرى، عمدة غرناطة الإشتراكي، بعض من أقاربه و تم إعدامهم سريعاً، و لم يكن أمام "لوركا" بد من الإختباء و محاولة الهرب، لكن القوى التي تطارده كانت أسرع في الإمساك به وقتله. و لكن لماذا كان من الضروري قتل هذا الشاعر الغض؟...
فرانكو و أعوانه هم المتهم الأول، كان "لوركا" إشتراكياً ثورياً و كانوا يكرهون هذا الصِنف من الناس، إتهمه بعضهم أنه كان عميلاً روسياً، يمتلك راديو صغيراً يتصل به مع موسكو، و لكن بعيداً عن هذه التهمة الساذجة، فلم يكن "لوركا" شيوعياً و لا إشتراكياً و لا سياسياً، كان ثورياً.. لآنه هكذا يجب أن يكون الفنان، لكنه لم يقم بعمل على الأرض يبرر قتله، و لم يكن من مصلحة فرانكو و لا نظامه الوليد و لا حزب "الفلامنج" التابع له أن يبدءوا عهدهم بقتل شاعر شهير، كما أن قادة الحزب في غرناطة كانت تربطه صلات قرابة قوية بعائلته، و قد حرصوا على حمايته و البحث عنه بعد إختفائه. و يُجزَم أن الشاعر قد قُتل لأسباب عائلية نتيجة لحقد عائلات غرناطة الإقطاعية على أبيه تاجر الأراضي الثري، خاصة و أنه أصبح ثرياً في فترة وجيزة بإستخدام الحيلة و الطرق الملتوية، بل إن أعضاء عائلته نفسها كانوا يتشاركون في هذا البغض و يقال إن بعضهم كان مشاركاً في عميلة القتل، و رغم أن هذا الإحتمال يبدو بعيداً، إلا أن العديد من باحثي غرناطة يؤمنون به إعتماداً على معرفتهم بالطبيعة الثأرية لأهل المدينة. و لكن السبب الذي يؤكده الكثيرون هو أن "لوركا" مات لأنه كان مثلي الهوى و لم يكن يُخفي ذلك، و قد إستفز هذا بعض القوى الدينية المحافظة التابعة لفرانكو، لم يكن يعنيها مكانته الشعرية و لا شهرته، لذا فقد إنتهزت فترة الحرب و تخلصت من المئات من المثليين، صديقه "سلفادور دالي" الرسام المشهور إعترف بعد عدة سنوات بوقائع سلوك "لوركا"، كانا يسكنان معاً في سكن الطلاب و طلب منه "لوركا" أكثر من مرة أن يقيما علاقة معاً .. فهل كان هذا بالفعل السبب الحقيقي لقتله؟
يبقى الشاعر لغزاً، موته و مكان جثته و أسباب مقتله و لكن ما يهمنا ليس سلوكه إنما القيمة التعبيرية في تراثه الشعري
فالذي يبقى خلاصة تجربته الإبداعية .
💖
*د. محمد المنسي قنديل
تعليقات
إرسال تعليق