كيف يمكن للانسان ان يتعلم من حكمة أسماك السلمون
🦈🦈🦈🦈🦈🦈
عبر التاريخ، ظهر معلمون عظماء ليعلموننا كيفية التصرف بآدمية...
ولكن اليوم، أصبح التحدي الأكبر الذي نواجهه هو كيفية العيش على هذا الكوكب بدون تدميره.
الحيوانات يعرفون كيفية القيام بهذا الأمر، ومن خلال العلم أصبح يمكنهم تعليمنا.
أنا عالمة أحياء؛ تلك هي بيئتي الطبيعية أمضيت حياتي كلها أنظر داخل الماء
أحاول اكتشاف ما يحدث أتيت إلى هذا الساحل لدراسة التواصل بين حيتان الأوركا قادتني الأوركا إلى مجموعة جزر منعزلة على ساحل المحيط الهادي
أثناء مئات الساعات التي قضيناها في تعقب الحيتان اكتشفت اكتشافًا مذهلًا قد يساعدنا في حماية مستقبلها.
فالحيتان التي عملت عليها في البداية كانوا ينتمون لهذا الساحل ولكنهم كانوا محبوسين في مارينلاند، وهي منتزه ترفيهي قرب لوس أنجلوس. في الصباح الباكر قبيل بزوغ الفجر، كانوا يقومون بأكثر الأشياء روعة. كانوا يتوجهون إلى مكان معين على حائط الحوض الموجودين به ويقومون برش الماء عليه. ذلك المكان كان دائمًا هو أول نقطة تطالها أشعة الشمس في الصباح. بالطبع كان هذا المكان يتغير عبر العام، ولكن كانت الحيتان دائمًا ما تعرف أين سيكون المكان الجديد. كانوا يقومون بهذا السلوك بتركيز وحماس بالغين حتى أنني اعتقدت أن الحيتان ربما تؤدي نوعًا من الطقوس.
وذات يوم لن أنساه، كنت أتعقب سربًا من الحيتان يتجه غربًا، وفجأة تُهت وسط الضباب ولم أكن أعلم أي اتجاه أذهب... كان الأمر كما لو كنت داخل كوب من الحليب ومما زاد الأمر سوءًا، سمعت عبر ميكروفون خاص بي تحت الماء هدير باخرة سياحية تدخل قناة بلاكني حيث كنت أطفو.
شعرت بالرعب يسري في جسدي وبينما أعمل على شق الضباب وعبوره باستخدام مقدمة القارب، ظهرت الحيتان فجأة بجانب قاربي، فشعرت بالأمان على الفور، ثم تبعتهم لمدة ثلاثين دقيقة.
وفجأة خرجنا من الضباب - خرجت من الضباب- أصبحت أعلم مكاني.
وجدت أن الباخرة السياحية التي كنت احاول تجنبها قد رحلت، واستدرت حتى أشاهد الحيتان وهي تخرج من الضباب، ولكنهم لم يفعلوا. من الواضح أنهم قد استداروا، وذهبوا في الاتجاه الآخر مرة أخرى.
ظللت أعيد ذلك الموقف مرارًا وتكرارًا داخل رأسي لأنني لم أستطع تصديق ما قد حدث للتو. لقد كانوا يتوجهون غربًا، وب حين بدأ ينتابني الخوف عادوا
وظلوا معي حتى شعرت بالأمان مرة أخرى، ثم يبدو أنهم عادوا ثانيةً في نفس الاتجاه حيث كانوا يتوجهون في البداية.
هل كان ذلك من قبيل المصادفة؟! أم أنهم علموا أني بحاجة إلى المساعدة؟!
وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يُعقل؟ ...ولكني أصدق ما رأيته بعيني
أولًا: يبدو أن الحيتان تؤدي طقوسًا..
ثانيًا: يبدو أن لديهم القدرة على استشعار الشعور بالخوف لدى الكائنات الأخرى
ويقررون التصرف بهذا الشأن .. مما دفعني لتغيير وجهة نظري تجاه العالم.
الحد الفاصل بين الحيوانات والبشر هو سلسلة مستمرة من التغيرات.
لا يوجد حدٌ واضحٌ.. ويمكنهم تعليمنا الكثير من الأمور فقط لو أردنا الانتباه إلى كل ما يقولونه، مهما كان ذلك مذهلا وغريبا.
الحيتان التي كنت أدرسها كانت تتغذي على أسماك السلمون بشكل أساسي
وهذا ما كانت تتغذى عليه حيتان الأوركا مما يعني أني كنت أتعقب وأدرس أسماك السلمون أيضًا.
وهنا على حافة الساحل الغربي لأمريكا الشمالية تَبرُع أسماك السلمون في النمو بشكل مذهل... إنها تتداخل مع دورة الحياة بالكامل.
عندما تشرق الشمس على مياه المحيط الهادي تنمو الطحالب فتخرج الأسماك الصغيرة لتأكل العوالق الحيوانية، و من ثم يأكل السلمون الأسماك الصغيرة.
وبطريقة ما تقوم بتخزين طاقة الشمس داخل أجسادها.
وفي نهاية حياتها، تهاجر عائدة إلى منشئها، وبعد أن تقوم بدفن بيضها بأمان بين الصخور.. تموت وتنشر هذا الكنز من العناصر الغذائية التي جمعتها من المحيط المفتوح. خلال رحلة الهجرة تلك، تغذي أسماك السلمون أكثر من ١٠٠ نوع من المخلوقات البحرية.
ثم عندما تموت، تغذي الأشجار إذ تنمو الأشجار في شكل دوائر متراكزة،
وكل عام تنمو دائرة جديدة حولها وحول الأشجار الموجودة على ضفاف الأنهار. و حيث تعود الكثير من أسماك السلمون تنمو في دوائر أكبر من تلك الأشجار التي تنمو بعيدًا عن السلمون أو قد تنمو تلك الدوائر بشكل أقل خلال السنوات التي تقل فيها أسماك السلمون.
إذًا الأشجار التي تغذيها أسماك السلمون تتنفس الكربون وتخرج الأكسجين.
وكلما نمت أسماك السلمون وازدهرت تزدهر الحياة من حولهم.
تعقبي للحيتان أثار داخلي الكثير من التساؤلات،والكثير مما يمكنك تصوره.
أحد هذه التساؤلات كان، خلال الأشهر حينما يكون هذا الساحل مليئًا بالكثير من أسماك السلمون، لماذا تستمر الحيتان في التنقل؟
لمَا لا يمكثون بمكان واحد يسترخون ويستمتعون بتناول السلمون؟
حسنًا، تشير الأدلة إلى أن الحيتان تعلمت ألا تأكل الكثير في منطقة واحدة،
لأنها قد تستنفذ المورد الذي تعتمد عليه في غذائها.
بمعنى أن أسماك السلمون علمت الحيتان أن "استمروا في الحركة!"
ونتيجة لذلك، يتنامى كلاهما.
ولقنت أسماك السلمون الدرس نفسه لأول من تواجدوا على هذا الساحل من البشر. فكانت تلك الرسالة التي لا مهرب منها:-
"إذا قتلتم جميع أسماك السلمون في النهر، فستعرضون مستقبل فصيلتكم للخطر".
تلك هي المشكلة التي نواجهها اليوم.
إننا نقتل النظام البيئي الذي ينتج لنا الهواء النقي والماء والطعام الذي نحن بحاجته للبقاء. ولأننا فقدنا التواصل مع الطبيعة، توقفنا عن تلقي تلك الرسالة المباشرة أننا قد أصبحنا في حاجة ماسة إلى تعلم حسن السلوك.
إننا لا ندرك عواقب أفعالنا، مخربين النظام البيئي الذي نعتمد عليه لنحيا.
فور أن وصلت إلى بروتون أركيبيلاجو، على ساحل المحيط الهادي عام ١٩٨٤
كانت هناك أضرارًا ناجمة عن قطع أشجار دامت لمائة عام.. وسفن صيد السلمون كانت تزداد وتقوم بعمليات الصيد الجائر، وعلى الرغم من ذلك، استطاعت أسماك السلمون التكيف..
تلك الكائنات الخبيرة في النمو والازدياد حتى أنهم استمروا في العودة بأعداد ضخمة. ولكن البشر تجاوزوا الحد.
عام١٩٨٧ تم إنشاء أول مزرعة لأسماك السلمون وصحبها انتشار لأمراض بكتيرية والتي تسببت في نفوق بعض أسماك سلمون الكوهو المحلية الموجودة بالمزرعة.
الأعداد الكبيرة للسلمون بالمزرعة جذبت حيوانات الفقمة، وحاول العاملون بالمزرعة إطلاق النار عليها. وعندما فشلت تلك الطريقة بسبب أعدادها الكبيرة
استخدموا ماكينات ذات أصوات عالية التردد مما يجبر الفقمات على الابتعاد جراء الألم. ولم يكن في الحسبان أن الحيتان ستبتعد أيضًا.
فالحيتان ترى من خلال الصوت: فآذانها تعمل عمل أعيننا. ولأنها خشت أن تفقد سمعها هربت.
شاهدت حيتان أوركا من المجموعة الصوتية " أ" المقيمة بالمنطقة الشمالية
يرحلون عن منطقة كانوا يستوطنونها على الأرجح طوال ١٠٠٠٠عام.
حدث هذا منذ ٢٤ عاما عام ٢٠٠٧ شاركت في كتابة ورقة بحثية نشرت في مجلة العلم، تتنبأ بنفوق أسماك السلمون الوردي في لبروتون أركيبيلاجو جراء قمل البحر التي تسببت بها مزارع السلمون في ذاك العام، عاد ١/١٠ من نسبة ١% من تلك الأسماك.
ما معنى ١/١٠ من نسبة ١%؟
يعني أن ذلك سيترتب عليه وجود دببة تتضور جوعًا تنتقل من جزيرة إلى أخرى،
وأنها إن لم تجد أسماك سلمون، ستموت جوعًا في الشتاء أثناء البيات الشتوي.
لهذا طوال ٣٠ سنة فعلت كل ما بوسعي التفكير به.
قمت بدراسة الحيتان وقمل البحر حتى دراسة الفيروسات.
توصلت في بحثي إلى أن غالبية أسماك سلمون المزارع على هذا الساحل
مصابة بفيروس PRV السمكي المكتشف حديثًا وهو فيروس يصيب الدم قادم من المحيط الأطلسي، واتضح أنه عندما يصيب سلمون الشينوك في منطقتنا
يتسبب في تكسر خلايا الدم الحمراء لديها، مما يؤدي إلى إصابتها بالفشل الكلوي والاختلال العضوي وأخيرًا، الموت.
الجهاز المناعي لدى جميع الحيوانات جهاز قوي للغاية.
كعالمة وأم وجدة، كان علي أن أتساءل:-
"هل يمكننا اكتشاف طريقة للعيش على هذا الكوكب دون أن ندمره؟"
وكما اتضح، أعتقد أن حكمة أسماك السلمون هي ما نحتاج إليه.
فإذا نظرت إلى الجهاز المناعي لحيوان ما، تجد أن باستطاعته مواجهة كل ما يحدث كالمرض وتغير درجات الحرارة والتلوث والإجهاد ويفعل هذا
باستخدام آليات لزيادة أو إنقاص نواتج جينية محددة، مما يحفز البروتين للتعامل مع الموقف.
قراءة الجهاز المناعي ومعرفة أي الجينات في زيادة أو نقصان، تُسمى البصمة الوراثية وهي بمثابة لغة عالمية مشتركة بين خلايا جميع الحيوانات.
مثلًا، الجهاز المناعي لدى أسماك السلمون يقاوم أحد أنواع فيروس الانفلوانز
بطريقة مماثلة للجهاز المناعي للإنسان عند مقاومته لنفس الفيروس.
يصاب السلمون بالمخاط على خياشيمها؛ ونحن نصاب بالمخاط في رئتينا.
وبصورة مماثلة، إذا عرفنا النظام المناعي للسلمون وتعرفنا على الأدوات التي يتسلح بها النظام المناعي أعني معرفة أي الجينات يعمل وأيها تم تعطيله،
سنحصل على قدر جيد من المعلومات حول ما تتعرض له أسماك السلمون
سواء أكان فيروس أو بكتيريا أو ارتفاع درجة حرارة المياه وانخفاض مستوى الأكسجين أو الجوع أو أيًا كان، هذا يعني أنه من خلال أخذ عينة ضئيلة غير مميتة من السلمون، يمكننا معرفة ما نتسبب به من أذىً للمحيط.
كيف؟
حسنًا، أسماك السلمون تهاجر لآلاف الأميال، من المنابع البعيدة حيث ولدوا،
مرورًا ببلداتنا الصغيرة ومزارعنا ومصبات نفايات مصانعنا ومدننا الكبيرة،
حتى مياه المحيط الهادي.
وإذا تفقدنا طريق هجرتهم، سنعرف الكثير عما نتسبب به من أذىً لهم،
لأغلب الكائنات التي تعيش شمال شرق المحيط الهادي وبالتالي سنعرف ما نؤذي به أنفسنا.
لذلك هدفي توعية الناس بالتنبه إلى الإشارات التحذيرية التي يرسلها الجهاز المناعي للسلمون خلال هجرتها طوال مدة حضارتنا الإنسانية، والتي ستمدنا بالمعلومات حتى نشمر عن سواعدنا بشكل عملي ومخطط ونبدأ على الفور في إصلاح المشاكل.
لسنا بحاجة للتخمين حول ما نخطئ به فأسماك السلمون ستخبرنا.
ونستفيد من تلك المعلومات المباشرة لتي نحتاجها لتعلم كيفية الازدهار والنمو، ونحرص على أن يزدهر العالم من حولنا في الوقت ذاته.
ليس مقصدي هنا أن أقترح التوقف عن التطور البشري، بل بشكل أوضح أن نتعلم ممن يعرف كيفية القيام بما لا نعرف كيف نفعله وما يهدد بالفعل حضارتنا الإنسانية بأسرها.
الشركات الكبيرة سوف تضطر إلى الحد من النفايات السامة.
وستضطر المدن إلى تطوير شبكة الصرف الصحي.
وكل من يتعاطى المضادات الحيوية أو عقاقير منع الحمل، سيضطر إلى تركيب فلتر في مرحاضه.
وسوف يضطر قطاع الزراعة إلى التوقف عن استخدام المبيدات التي تدمر الحياة، وبالطبع علينا أن نحد بشكل جذري من عمليات حرق الوقود الأحفوري.
كل هذا سيكون تحديًا كبيرًا، ولكن إذا فعلناه على الوجه الصحيح...
"سينجو أبناؤنا."
إذًا، إصلاح بيئة أسماك السلمون جزء من مكافحة التغير المناخي.
كلما عاد المزيد من أسماك السلمون إلى هذا الساحل، بسبب قراءتنا لجهازها المناعي فنعثر على المشكلات ونحلها بمساعدتهم.
كلما عاد المزيد، ستبدأ الغابات في التنفس بعمق أكبر، فتتقلص نسبة الكربون الذي يهدد البشرية وتطلق الأكسجين الذي لا ننجو بدونه.
بدلًا من النظر إلى الجبال أو الأنهار أو الغابات وحساب ما يمكننا جنيه من تمزيقها و بيعها قطعًا، يمكننا توجيه عقولنا إلى كيفية التعاون معها...
كيفية الاندماج مع تلك الأنظمة الطبيعية، تلك الأنظمة البيئية العظيمة التي لا ننتمي لها فحسب بل وتبقينا على قيد الحياة.
نحن ملزمون بالعمل مع تلك الأنظمة إذا كنا نريد أن ننجو بجنسنا ونواصل العيش على هذا الكوكب.
هذا العام شهدت كندا أدنى معدل في تاريخها لعودة أسماك السلمون البري، ولكن إذا استغللنا تلك الوسيلة الهامة المسماة بالبصمة الوراثية، ستتمكن أسماك السلمون من العودة إلى سابق عهدها، بل ويمكنها تعليمنا أيضًا.
وسنتمكن من تعلم كيف نعيش ونزدهر على هذا الكوكب ونتيح المجال للعالم من حولنا للازدهار عندما نصبح نسخة أفضل من الحيوان الذي نحن عليه.
💖
Alexandra Morton
تعليقات
إرسال تعليق