سيدي عمر بن الفارض .. سلطان العاشقين🪻
نشأ في مصر.. ولد لأب سوري يعمل بالفقه في العصر الأيوبي ..
عاصر سيدي ابن الفارض مولاي محي الدين بن عربي و قيل انهما تقابلا في مصر حين استقبله بها سيدي ابن الفارض و تكلما معا كثيرا و لما حاول بعض الفقهاء و رجال الدين قتل مولاي محي الدين بن عربي و اتهامه بالكفر .. دافع عنه سيدي ابن الفارض و معه السلطان الكامل الأيوبي ثم تمكن مولاي ابن عربي من الذهاب إلي الشام و استقر بها و استمرت العلاقة بين السيدين كما استمرت بينهما الكثير من المخاطبات و المراسلات حتى ان سيدي ابن الفارض بعث برسالة يطلب من مولاي ابن عربي شرح بعض الجمل من كتابه الفتوحات المكية فكانت الاجابة .. “ستجد الإجابة في قصيدتك التائية أو نظم السلوك” ..و كان سيدي ابن الفارض قد كتب قصيدته الشهيرة التائية أو نظم السلوك في أكثر من ٧٠٠ بيت.
تأثر السيدان كلٌ منهما بالآخر علي أكثر من مستوى .
في يومٍ كان سيدي ابن الفارض يهم بالصلاة فرأي بقالا يتوضاء بطريقة غير صحيحة.. فتدخل في رفق يساعد البقال على الوضوء.. فنظر الرجل إليه و قال له:-
"مكانك ليس هنا يا عمر ..مكانك في مكة."
و كأنها إشارة له بالسفر و الفهم. سافر سيدي ابن الفارض في رحلة جهاد للنفس و تصفية لها إلي الحج و مكث في مكة خمسة عشر عاما ثم عاد إلى مصر في الغالب عندما شعر بنداء من نفس البقال بأن يمشي في جنازته و تحقق النداء و مشي في جنازته.
ألَّف سيدي ابن الفارض في مكة بعضا من أعذب شعره في مناجاة ربه حبيبه.
و السعادة عنده في الحب.. و حب الله أسمى و أعظم حب..
لكن الحب ليس دوما هناء..
هناك أيام شوق و عدم صبر و ضلال ..
و لكن يبقى الحب مشكاة تضـئ الطريق للسالكين دوما.
سيدي ابن الفارض في سياحته و رحلته إنسان..
يحكي عن ضلاله و هدايته ..
عن حيرته و يأسه أحيانا و عدم صبره ..
ثم يجد الطمأنينة و السلام مع الحبيب الوحيد.. الله.
يتساءل لو كان هذا العالم حقيقيا و سبب التساؤل هو ان العالم غير مستقر بل هو زائل أيضا..
من يعيش في التفاصيل الصغيرة ربما ينسى الشكل العام للدنيا ..
لذا على الانسان ان يسافر بجسده و عقله ليفهم أن الدنيا ساعة أو أقل..
فالانسان يتوه في التفاصيل و ينسى الهدف من حياته ..
و الهدف عند سيدي آبن الفارض هو “قتل غلام النفس” اي قتل السيئ في نفسك..مكافحة هواك و إقامة حدود جدار تُذكرك بحجمك في هذا العالم فلا تظلم أو تفسد ..
و هذا ما ذكره في قصيدته التائية أو نظم السلوك.. فالغرض من الحياة المجاهدة .. و جهاد النفس أسمى جهاد. ثم إدراك حجمك أمام قوة ربك..
ثم التسليم له و عندئذ تصل إلى الرضا و السعادة..
و تدرك حدودك بـإدراكك عجز عقلك عن رؤية الحقيقة إلا..
بمساعدة القوي و هو الله.
الحياة الدنيا عند سيدي ابن الفارض ما هي الا عرض مسرحي أو عرض خيال الظل كل ما عليه ينتهي و كل ما عليه له محرك واحد.. مُخرج هذا العرض المسرحي أو من يحرك العرائس في خيال الظل هو الله خالق كل شئ..
فكل شئ يفنى و يبقى وجه ربك الكريم.
ان حياتنا محدودة بوقت معين ينتهي دور كل عروس داخل العرض في وقت يعرفه من يحرك العرائس فقط و لا نعرفه نحن..
فهو الفاعل الوحيد و غيره لا يفعل.. فاذا ادركنا ذلك نوقن وقتها اننا عباد..
و مقام العبودية من أعلى المقامات اذ ندرك اننا بلا حول و لا قوة و لا قدرة فنقول لا حول و لا قوة إلا بالله.
و عند مولاي ابن عربي قول لا إله إلا الله أتم و أعلى لأنها تعني أن ما في الوجود غيره و كل ما دونه يهلك و يفنى في صورته الجسدية و العينية و تبقى الروح تذهب إليه في النهاية..
فلو تأصل هذا الشعور داخل الفرد سيعطيه الثبات في الحب و الحياة ..
و الثبات من أهم الصفات..
“ فلا تفرحوا بما آتاكم و لا تأسوا على ما فاتكم” .
عندما ننظر الى الفاعل في كل الأفعال يسهل علينا تقبل البلاء و الصبر عليه .. فكلٌ من عند الله ..
فسيدي ابن الفارض يتكلم عن نور العلم بالله و لله ..
فالجهل ظلام و العلم نور و الدنيا وهم و الله هو الحقيقة المطلقة..
يتجلى نوره مع معرفته..كل ما هو دون الله قيد و كل قيد يحجب الرؤية..
و كلما تخليت و جاهدت ينكشف لك الستار و ترى النور و عندما ترى النور تصل إلى الحرية.
و عندما فعل سيدي ابن الفارض ذلك زال الالتباس و الحيرة و وجد ضالته و انكشف عنه حجاب الوهم
و ذكر المؤرخ ابن إياس في كتابه بدائع الزهور في وقائع الدهور عن أزمة تكفير سيدي ابن الفارض بعد وفاته .. فقد تعصب بعض العلماء ضده و اتهموه بالكفر و الحلول و الاتحاد بسبب بعض أبيات قصيدته التائية و كان على رأس من تعصب عليه قاضي القضاة محب الدين بن شحنة و برهان الدين البقاعي..
و دافع عنه من العلماء الفقيه و المؤرخ الشيخ الجلال بن الكمال السيوطي و قاضي القضاة في عهد الدولة المملوكية الشيخ زكريا الأنصاري.. فألف الشخص جلال الدين السيوطي كتابه “ قمع المعارض في الرد عن ابن الفارض” و صنف بعض العلماء كتابا سموه “ ترياق الافاعي في الرد على البقاعي” .
وقعت مشاحانات كبيرة بين الناس و هجا الشعراء المهاجمين لسيدي ابن الفارض و غضب المصريون للهجوم عليه و كذلك العلماء و السلطان ..
و ذكر ابن إياس ان السلطان عزل ابن شحنة عن قضاء الحنفية و ان لعنة اصابت كل من تطاول على سيدي ابن الفارض و أصابت باغضيه مصائب واحدا تلو الآخر.
و من أعذب و أرق و أجمل ما كتب عن الحب قصيدة
"قلبي يحدثني بأنك متلفي"
يصف و يقول إن الحب تلفه و يصف مشاعر الحب من وجد و شوق و لهفة ..
ثم يتكلم عن جمال الله الذي ليس كمثله شئ فيصبح عشق الله مصدرا للخوف و للقائه.نذكر هنا بعض أبيات القصيدة
قلبي يُحَدّثني بأَنّكَ مُتْلِفِي
روحي فِداكَ عرَفْتَ أمَ لم تَعْرِفِ
لم أَقْضِ حَقّ هَواكَ إن كُنتُ الذي
لم أقضِ فيِه أسىً ومِثليَ مَنْ يَفي
ما لي سِوَى روحي وباذِلُ نفسِهِ
في حُبّ مَن يَهْواهُ ليسَ بِمُسرِف
فلَئِنْ رَضِيتَ بها فقد أسعَفْتَني
يا خَيبَة المَسْعَى إذا لم تُسْعِفِ
يا مانِعي طيبَ المَنامِ ومانِحي
ثوبَ السّقامِ بِهِ ووَجْدِي المُتْلِفِ
عَطفاً على رَمقي وما أبقَيتَ لي
منْ جسميَ المُضْنى وقلبي المُدَنَفِ
فالوَجْدُ باقٍ والوِصَالُ مُماطلي
والصّبْرُ فانٍ واللّقاء مُسَوّفي
لم أَخلُ من حَسَدٍ عليك فلا تُضِعْ
سَهَري بتَشْنِيع الخَيالِ المُرجِفِ
واسأَلْ نجومَ اللّيلِ هل زارَ الكَرَى
جَفني وكيف يزورُ مَن لم يَعْرِفِ

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة