ترى ماذا يحدث حين نقرأ تاريخ دولة بعيون شجرة التين؟!
حين تحكي شجرة التين عن نفسها و عن غيرها من الاشجار و الازهار و النباتات.. شجرة التين التي لها دور البطولة في هذه الرواية تقص علينا تاريخ قبرص قبل تقسيمها علي يد الانجليز الي قبرص التركية و قبرص اليونانية و كيف كانت الجزيرة بلدا واحد ثم اصبحت بين ليلة و ضُحاها بلدين و كيف نما العداء بين ذات الشعب الذي كان يوما شعبا واحدا !؟
كما تحكي شجرة التين عن تاريخ ميلادها الذي وافق تاريخ الاتفاق السري الذي أبرم بين السلطان العثماني عبد الحميد الثاني والملكة ڤيكتوريا ملكة انجلترا حين وافق الاول على التنازل للاخيرة عن ادارة جزيرة قبرص مقابل حمايتها له من العدوان الروسي و الذي بموجبه تحولت قبرص الي مستعمرة بريطانية بعد ان وقع العداء بين الامبراطورية العثمانية و الامبراطورية البريطانية في اعقاب الحرب العالمية الاولى.
تسرد شجرة التين حياة الصقليين فتقول :ـ
من طقوس الموت عند الصقليين الوقوف تحت شجرة تين للقيام بطقس قديم يرمي إلي إرشاد روح الأحباء للطريق الآمن حتى لا تتوه في غياهب السماء الواسعة.. كانوا - و لازالوا- يقومون برص أحجار فوق بعضها البعض كعمود يمتد للسماء كما لو كان يسند القبة الزرقاء.
من يؤمنون بهذا الطقس يعتقدون ان الصوت الصادر عن رص الأحجار بعضها فوق بعض انما هو وقع خطى الروح الهائمة العابرة للصراط -الذي هو أرفع من الشعرة و أحّد من السيف- اذ تتخبط هذه الروح في هذا الفراغ الواقع بين عالمها السابق و العالم الآخر.. و مع كل خطوة لها تُلقي الروح بحِملٍ من اعبائها الثقيلة حتى تُنهي عليها جميعا بما في ذلك كل الأحزان و الآلام المخَّزنة في اعماقها .
لكن لماذا شجرة التين بالذات ؟!
من يعتقدون في هذا الطقس مؤمنون ان شجرة التين شجرة مقدسة..
وفي ثقافات عديدة يُعتقد ان ارواح موتاهم تسكن جذوع شجرة التين.
بعض الأرواح طيبة و بعضها شرير و أخرى ليس لها ملامح..
كل هذه الأرواح لا يمكن ان تراها إلا عين خبيرة.
بينما تري ثقافات أخري أن اشجار التين في الحقيقة هي نقطة تلاقي او مكان للتجمع ليس فقط للآدميين و الحيوانات بل أيضا للجن و الملائكة !
هناك مشهد مرعب يجعل قلبك يرتعد خوفا اذا عاصرته تحكيه العديد من الرويات التي تُروى عن شجرة التين الهندي التي تتحرك أوراقها مصدرة حفيفا مسموعا في حين باقي الأشجار المجاورة لها لا تُحرك ساكنا اذ لا توجد اي نسمة من الهواء .
و لطالما شعر البشر ان هناك شيئا غريبا يتعلق بأشجار التين علي كافة انواعها لذلك هم يلجأون اليها اذا كانت لهم حاجة او عند الوقوع في ورطة حيث يقومون بربط شرائط مخملية او من القماش علي فروعها و كثيرا ما قدمت لهم بالفعل اشجار التين المساعدة.
و اكبر الامثلة على تلك المساعدة هي التوأم "رومولوس" و "ريموس" في سلتهما التي كانت تطفو بشكل يُنبئ بالخطر في مياه نهر التيبر لولا ان علقت السلة بجذور شجرة التين فعثرت عليهما الذئبة.
كما ان لشجرة التين في الاديان شأن عظيم..
ففي اليهودية هي مرتبطة بدراسة التوراة دراسة دينية متعمقة و اذا كان المسيح قد احتفظ بشجرة تين بعينها و رغم انها كانت غير مثمرة الا انه حين وضعها -بعد ان صُنعت منها كمادات- على جرح حزقيا برئ جرحه.
و قال النبي محمد عليه أفضل الصلوات و أتم التسليم عن شجرة التين انه يتمنى ان يراها في الجنة كما ان هناك سورة التين في القرآن .
و بوذا كان تحت شجرة التين جالسا حين وصل للتنوير.. اما النبي الملك داوود فقد كان مغرما باشجار التين.. كما كانت اشجار التين ملهمة و باعثة على الامل لكل حيوان و انسان علي متن سفينة النبي نوح
و منذ قرون كان البشر من الهند الي الاناضول و من المكسيك الي السلفادور حين تلم بهم المآسي يلجأون لشجرة التين كملجأ و ملاذ.. و لطالما حظيَّ كل من فعل ذلك بتعاطفي العميق معه.
اما خلافات البدو فكانت يتم حسمها تحت ظل اشجار التين..
و الدروز يُقَّبلون لحاء شجر التين بكل وقار..
و كل من العرب و اليهود يقومون بعمل تحضيرات الزفاف بجوار اشجار التين املا في ان يكون الزواج قويا متينا لمواجهة اي عواصف مستقبلية قد تقابله.. و كل من البوذيين و الهنود يحبون ان تزهر اشجار التين بجوار معابدهم..
و نساء كيكويو في كينيا حين يرغبن في الحمل يستخدمن عصارة اشجار التين.. و هن ايضا اللاتي يدافعن عن شجرة التين بكل شجاعة اذا ما حاول شخص ان يأخذ قطعة من الشجرة المقدسة.
و تحت ظل اشجارنا تُذبح الاضاحي و تؤخذ الوعود و تُتبادل الخواتم كرمز للالتزام الذي قطعه شخصان علي بعضهما كما يتم تسوية الخلافات المتعلقة بالثأر.
و يعتقد البعض انك اذا قمت بالدوران حول شجرة التين سبع مرات حارقا للبخور تاليا لكلمات معينة بترتيب صحيح يمكن ان تغير جنس المولود الذي تنتظره.
كما اننا نتحمل في صمت اولئك الذين يحفرون جذوعنا بأظافرهم ناقلين لنا الامراض المصابين بها.. ليس غريبا اذا ان يطلقوا علينا اشجار مقدسة ..
اشجار الاماني .. اشجار ملعونة.. اشجار روحية .. اشجار خارقة للطبيعة.. اشجار عجيبة و اشجار سارقة للارواح
الحياة تحت سطح الارض ليست بسيطة و لا رتيبة كما يعتقد معظم الناس فجوف الارض يعج بالنشاط فاذا حفرت نفقا في اعماقها ستفاجأ برؤية تربة ترتدي ظلالا من الألوان غير المتوقعة فهناك خفة اللون الاحمر .. نعومة لون الخوخ.. و دفئ لون المستردة …و خضار اللون الليموني و ثراء اللون الفيروزي.
البشر يُعَّلمون اطفالهم ان يلونوا الارض بلون واحد.. فهم يتخيلون السماء زرقاء اللون و العشب اخضر اللون و الشمس صفراء اللون و الارض بنية اللون .
فقط لو يعرفون ان تحت اقدامهم ارض تموج بألوان قوس قزح.
خذ حفنة من التربة و ضعها بين راحتيك و اضغط عليها لتشعر بنسيجها الدافئ. في هذا المجال البارد قليلا يعيش اكبر عدد من الكائنات الحية الدقيقة مقارنة بالبشر في العالم تحتويها الوان من البكتريا اهمها البكتريا العتيقة و الفطريات و الطحالب و ديدان الارض فضلا عن الشظايا المتكسرة من الاواني الفخارية القديمة كل هذه الأشياء تعمل مع بعضها البعض علي تحويل المواد العضوية الي مواد غذائية قابلة لان تتغذى عليها النباتات فتنمو تزدهر.
الارض معقدة .. مرنة و سخية. كل بوصة من التربة هي نتاج عمل شاق من مئات السنين للعديد من الديدان و الكائنات الحية الدقيقة لانتاج هذا القدر من الاوساخ الطينية الصحية و التي هي عندنا نحن معشر الاشجار اثمن من الياقوت و الالماس.
الشجرة لها آلاف الاذان التي تساعدها علي الاستماع من كل الجهات يمكنها تحديد مكان اليرقات التي تاكل محدثة ثقوب في اوراقها .. ازيز النحل العابر .. صرير جناح الخنفساء .. صوت قرقرة خطوط المياه التي تتخلل اغصانها
للنباتات القدرة على التقاط الذبذبات و العديد من الزهور تأخذ شكل الاوعية حيث يمكنها حبس الموجات الصوتية و التي يكون بعضها عالي الذبذبات فلا تلتقطها الاذن البشرية .. الاشجار حافلة بالاغاني و التي لا نخجل من ترديدها.
في صقلية لا شئ يقرب نساء الجزيرة من بعضهن البعض غير ان يكن حوامل
عندما يتعلق الامر بهذه المسألة فلا حدود بينهن و لطالما اعتقدتُ في هذه الحالة انهن امة اخري تماما فهن يتبعن ذات القواعد المتعارف عليها في هذه الحالة ففي المساء حين يذهبن للفراش تتراكم في اذهانهن المخاوف و يصيبهن ذات القلق.
في خلال هذه الاشهر التسعة لا تقوم القبرصية - التركية او اليونانية بمناولة سكين لاي شخص او ترك المقص مفتوح على الطاولة و لا يقمن بالنظر للحيوانات المشَّعرة او تلك القبيحة الخلقة و لا يتثائبن مفتوحي الفم خشية ان تتسلل روح شريرة الي داخلهن . و حين يلدن يمتنعن عن تقليم اظافر الاطفال او قص شعرهم لمدة شهر و لا يري الاصدقاء او الاقارب المولود الا بعد بلوغه اربعين يوما و في هذه الحالة يقمن بقرص الرضيع حتي يبكي كاجراء احترازي من العين الشريرة ..
و تقارن شجرة التين بينها و بين شجر الخروب..
اذ تراه قوي عفي و لكنه خالي من الاحساس بارد المشاعر.. عملي..ينقصه الذوق و الابداع لكنه يتمتع بكمال يثير عصبيتها فبذوره متطابقة شكلا و حجما حتى ان التجار في الازمنة القديمة كانوا يستخدمنها معيارا للذهب و من هنا جاءت كلمة “ قيراط “ التي اصبحت معيارا للذهب.
و الخروب هو اهم محاصيل جزيرة قبرص و اهم صادرتها الزراعية و من هنا نرى ان هناك منافسة بين اشجار الخروب و التين .. شجر التين حساس ناعم غمض عاطفي شاعري روحاني مكتفٍ.. ذاتي .. منطو علي نفسه.
بينما شجر الخروب غير عاطفي .. مادي .. عملي..يحسبها فلو سألتهم عن امور القلب لن تتلقى اي اجابة.
فلو كانت شجرة الخروب هي التي تروي كل ما قصصته عليكم لكانت قصة مختلفة تماما عن ما قصصته عليكم













تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة