احذر/ي أن تصدق/ي .. شاعراً ؟!
مقولة تتردد كثيرا ًو اتفق معها لحد ما !!
لماذا ؟!
ربما لأن الشاعر يُعبر عن “حال” يمر بها و يقول كلاما ًفي الغالب لا علاقة له به هو شخصيا ..
ربما لأن الملهمة عند الشاعر -في رأي- هي “الحال” التي يكون هو عليها وقت كتابته القصيدة سواء تأثر بموقف أو بمشهد أو بشخص أو حتى بورقة شجر ..
و “الوسيلة” هي خياله الواسع الرحب و قدرته على تطويع الكلمة و اللفظ الذي ترجم بها “حاله” تلك التي هو عليها..و بما أن دوام الحال من المحال فعليه يتنافى ذلك مع القول بأن للشعراء ملهمات ..
في رأي الشاعر كالطبيب ..هذا يشخص المرض و ذاك يشخص الحال .. و الفرق بينهما ان الطبيب يصف الدواء لكن الشاعر فور زوال الحال يعود سيرته الأولى ناسيا أو متناسيا ما كان قد كتب.
و لو تذكرنا شعراء الحب في عالمنا العربي من قدماء العرب مثل قيس ليلي و جميل بثينة و كثير عزة حتى أحدثهم و على رأسهم نزرا قباني ـو لو انه تزوج من السيدة بلقيس بعد عدة ملهمات حسب ما ذكره هو - نلاحظ انه لم يتم الزواج بين أي شاعر و محبوبته في ذاك الزمان .
و في رأي أن الامر ما كان متوقفا على أعراف القبائل و تقاليدهم فحسب لكن كل هولاء النسوة كن عارفات أن ما يقال من شعر لا يلبث أن يتبخر ومن ثم يَعدن للواقع و الحياة الحقيقية.
و من الأمثلة الأخرى على ذلك أيضا أشعار الهجاء و المدح التي كانت تُلقى عند أولي الأمر من الحُكَّام و تتقلب و تتنوع في معناها و فحوها بحسب الوالي او الحاكم طمعا في المكافأت المالية المقدمة للشاعر.
أقر و أعترف أن لي أصدقاء كُثر من الشعراء أحترمهم جدا و أقدرهم جدا سواء كأشخاص أو أفكار أو كشعراء و تجمعني بهم علاقات إنسانية و صداقة حقيقية حتى أني تجرأت و عرضت رأي هذا في بعض الشعر و الشعراء و أرجو ألا يكون في كلامي ما يثير غضبهم فأنا هنا فقط أطرح رؤية عبرت عقلي حين قرأت هذا الكتاب و أنا موقنة أن الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية معكم يا أصدقاء و أعزاء.
و رغم حبي للشعر و لصوره الجميلة و ألفاظه الفاتنة و معانيه الخلابة و أزعم أني ذواقة له لكن كل هذا لا ينفي ما ذكرته سابقا من رؤيتي.
الخالق جلى و على خصهم في القرآن بسورة “الشعراء” واصفا إيهام بأنهم “يقولون ما لا يفعلون”
و هي حقيقة لا يمكن أن ينكرها منهم كثيرون ..
و” هم في كل واد يهيمون”
و يهيمون هنا ليست من الهُيام و هو درجة من درجات الحب ..
لكن يهيمون من التخبط على غير هدى .. يعيشون أوهاما و خيالا لا علاقة لهما بالواقع و لا حتى بواقعهم هم أنفسهم ..
“إلا الذين آمنوا و عملوا الصالحات و ذكروا الله كثيرا” فالمؤمنون هنا مرتبطون بذكر الله كثيرا مع العمل الصالح ـ معطوف على الذين آمنوا بواو العطف ـ مثل سلطان العاشقين سيدي ابن الفارض و الإمام البوصيري و مولاي الحلاج غيرهم لان ذكر الله هو الحقيقة الوحيدة الثابتة و التي لن تتغير ..
فكل شئ ما خلا الله باطل .
و في رأي -و الله أعلم- ان هذه الصفات المذكورة في السورة ليست نفيا للشعر في حد ذاته أو تجريمه كتعبير عن عاطفة مشبوبة أو فكرة محترمة أو شعور راقي.. قدر ما هو تنبيه و إفاقة للغاويين الذين يتَّبِعون صماً و عميانا شعراء يقولون حقا يراد به باطل. فمن غير المعقول أن يُنعم علينا الخالق بهذا الجمال في اللفظ والمعني ثم يحَّرمه..فليس العيب في الجمال بل في من يتناول هذا الجمال بغير حقه.
فضلا عن أن رسول الله ﷺ سمح به لحسان بن ثابت ـ شاعر الرسول بعد الهجرة ـ و صرّح للعباس أن يمدحه حين إستأذنه في ذلك قائلا له: “قُل لا يفضُض الله فاك”.. و لعبد الله بن رواحة حين دخل ﷺ مكة في عمرة القضاء حيث قال
خَلُّوا بني الكفار عن سبيله ... اليومَ نضربكم على تنزيله
ضَرباً يُزيل الهامَ عن مقيله ... ويُذهل الخليلَ عن خليله
و حين انتهر سيدنا عمر عبد الله بن رواحة كان رد الرسول ﷺ “خَلِّ عنه يا عمر فإنه أسرع فيهم من نَضْح النبْل "
و قوله ﷺ “إن من البيان لسحر “
فجرى قوله ﷺ في العرب مجرى المثل..
و هو على أحد معنيين عند أهل اللغة
الأول: أن بعض الكلام يصل حداً من البلاغة يأسر القلوب.. ويأخذ الألباب.. لِمَا فيه من حلاوة وطلاوة!
الثاني: أن بعض البيان يعمل عمل السِّحر في إظهار الباطل بصورة الحق.
المهم اكرر اني مُحبة للشعر و جمال ألفاظه و صوره في كل حالاته و أتلذذ بمعانيه و احترم كل الشعراء و اشكرهم و اعتز بقصائد بعينها لان فيها جمل خالدة و أفكار صالحة تعبر عن حال دائم و واقع حاصل في كل العصور و الأزمنة و منها على سبيل المثال لا الحصر الرباعية التي ترجمها أحمد رامي عن عمر الخيام
حار الورى ما بين كفر و دين
و أمعنوا في الشك أو في اليقين
و سوف يدعوهم منادي الردى
يقول: ليس الحق ما تسلكون.!
ما سبق من كلامي هو مقدمة لهذه النوڤيلا التي كتبها الأديب البرتغالي “أفونسو كروش” و أرى أنها رؤية جديدة لكاتب متفرد و الحقيقة ان الكاتب يعرض لمادية العالم و كيف أصبحت سافرة بكل توحش حتى أنها قارنت الشاعر بأي شئ يمكن شراؤه من السوق و ذلك حين سألت طفلة صغيرة والدها أن يشتري لها شاعرا من السوق أسوة بصديقاتها. وبالفعل ذهبت إلى المحل حيث يباع الشعراء واختارت شاعراً قصيراً.. أحدباً و ذاهلاً. مُنح هذا الشاعر مساحة صغيرة تحت الدَرَج في بيتها ليعيش فيها.. فسارع إلى كتابة أبيات على الجدار المصمت بجانب فراشه مدعياً أنه يفتح بذلك نافذة على البحر!؟
كانت هذه هي الصدمة الشعرية والشاعرية الأولى للعائلة الصغيرة المكونة من الأب الموظف والمسيطر.. الأم الخاضعة والابن والابنة.. و سرعان ما نلاحظ التغيرات التي يثيرها وصول الشاعر في حياة العائلة..
نلاحظ أولاً التغير الذي يطرأ على اللغة التي تتحدث بها الطفلة وعائلتها.. حين كانت العائلة تتحاور بلغة محيرة فعلى سبيل المثال: حديثهم باللغة التي تحدد كم كيلوجراماً من الخبز أكلت في الصباح..وكم مليجراماً من اللعاب ترك الأب على خدك عند التقبيل.. هذه اللغة الجافة والمباشرة التي فرضتها مادية المجتمع الشديدة تصطدم بلغة الشاعر الممتلئة بالمجازات..
أفكاره التي تركز على روح العالم وليس على شكله الظاهري ومادته الصلبة.. تبدو العائلة وكأنما سرت فيها روح جديدة وغريبة..روح سحرية.. عصا الشعر السحرية التي تجعل الإنسان أقرب للذات حين تلمسه. و من المقتبسات التي أعجبتني:-
-ان الشعر يغير العالم و يبرز الحقيقة مكتوبة بغموض الدقة المطلق .
-الشعر اصبح مغروسا في الواقع و المشاعر كمن يخرج من الحمام و يمرر يده على المرآة المكدرة ليكتشف وجهه.
-نمرر اليد على الواقع لكى نرى ابتسامة.. هو عمل مرهق فهناك كثير من البخار يجعل الحياة حادة قليلا و غير واضحة و علينا ان نستمر في المحاولة.
-ان ابيات الشعر تحرر الاشياء.. و حين تُدرك شاعرية الحجر فإننا نحرره من تحجره .. ننقذ كل شئ بالجمال ..
ننقذ كل شئ بالشعر.. ننظر الى جذع ميت فنبعث فيه الحياة .. هو فقط نسى ماذا كان .. علينا تحرير الاشياء و هذا عمل كبير.
-كيف للبحر الكبير جدا ان تحويه نافذة صغيرة جدا.
-الثقافة لا تُستهلك فكلما استخدمتها زادت امثالك.
-التجاعيد هي ندوب العواطف التي تجتاحنا في الحياة.
-القبلة هي الانجع لقرار الجسم.
-الدرسات أثبتت أن الشعراء يقيمون علاقات بسيطة مع الواقع و مع من يحيطون بهم .. ليس لأنهم أغبياء..
لكن تلك ميزتهم.. مثل ميزة أن تكون قصيرا أقل من متر وأربعين..
او لديك بقع سوداء علي جسمك مثل صور البقرة الحلوب التي تظهر على علب الشوكولاته المستوردة من سويسرا او بلچيكا.
و في النهاية الشعر هو خاصية أو مَلَكة أو هبة من الخالق لشخص ما و هذه الهبة ليس لها علاقة لا بشخصيته او بمذهبه الفكري او بأفعاله حتى لا يظن البعض ان ما يقوله الشاعر هو ما يطبقه على شخصه في تعاملاته او يلتزم به في أفعاله.
في رأي ان هناك فرق بين الشاعر و شخصه أو الأديب و شخصه و هذا امر لمسته بنفسي من خلال قرأتي لمشاهير عالميين و تعاملاتي مع شخصيات عامة و مشهورة و حتى شخصيات عادية..
دائما يتعين التمييز بين الشخص و فكره الا ما رحم ربي..
علشان كده لا تصدق/ي شاعرا😉
💖

تعليقات
إرسال تعليق