الحكاية الرمزية المعروفة التي تصف ثلاثة أشخاص مكفوفين و كيف تلَّمس واحد منهم ساق الفيل و الثاني تلَّمس قدمه و الثالث لمس أذنه.. و استنادا إلى تصورات كل منهم فقد خلصوا إلى استنتاج مختلف حول ماذا يشبه هذا الحيوان. 
لذلك فان محاولة اثبات ان واحدة من الطرق للنظر إلى الأشياء هي أصدق من الطريقة الأخرى ليس مجديا.. لكن الشئ المهم هو أن هناك طريقة معينة تناسبك انتَ للنظر إلى الأشياء. 
فالواقع وهم نخلقه بأنفسنا كما يقال و رغم ذلك فما من أحد في الواقع شرح من أين يأتي هذا الوهم !؟هناك ذرة من الحقيقة في هذه المقولة..
فالعالم المادي هو مجرد آلية تعمل بموجب قوانين صارمة، في هكذا عالم تكون العقول غير قادرة على تحديد اى شئ و مع ذلك فعقل الانسان يسعى باستمرار لحل الغموض. و قرونا بعد قرون و بعد كفاح العلماء من أجل الحقيقة تبقى حقيقة واحدة في ميدان المعركة :-
إن أي نظرية لبست سوى قطعة منفصلة من مظاهر واقعنا المتعدد الأوجه. فكل نظرية يدعمها الزمن الذي نشأت فيه و بناء على ذلك لها حق الوجود و كذلك أي وجهة نظر تجاه الحياة تعمل بنفس الطريقة.
إذا قررت أن المصير هو شئ مقرر سلفا.. و أنه أمر لست في وضع يمكنك تغييره فسوف يكون على هذا النحو .. و في هذه الحالة انت ترغب عن طيب خاطر بوضع حياتك في يد شخص آخر و لا يهم من يكون. 
و المسألة هي أنك تتحول إلى قارب ورقي صغير يتبع موجات البحر و ينصاع لإرادته -أي البحر- و من ناحية أخرى اذا كنت تعتقد أنه يمكنك تشكيل مصيرك فانت تتحمل كل شئ يحدث في حياتك بشكلٍ واعٍ .. فحين تتصارع الأمواج في محاولة للسيطرة على قاربك الصغير هذا .. ضع في اعتبارك في تلك الحال ان اختيارك دائمآ يتحول إلى واقع ملموس فما تختاره هو ما تحصل عليه. 
و أيا كانت النظرة التي اعتمدتها فستكون نظرة صحيحة.. لكن ضع في اعتبارك ان الآخرين سوف يختلفون معك و يجادلونك و ذلك ببساطة لانهم هم أيضا محقون في نظرتهم ايا كانت.
ان اي مظهر للحقيقة في الاساس يمكن ان يكون نقطة مرجعية تخلق نظاما معرفيا. و من المؤكد انها سوف تعمل و يكون لها مكان في الوجود. لقد اراد الناس دائما أثناء تعقبهم للحقيقة فهم طبيعة العالم الذي عاشوا فيه و حاولوا تحقيق ذلك من خلال دراسة ملامح معينة و بهذا تم انشاء معرفة علمية ضخمة عبر وصف و تغير ظواهر طبيعية محددة. و هكذا اتت الفروع المفصلة للمعرفة . غير ان الامر المثير للاهتمام حقا هو انها غالبا ما تتعارض مع بعضها البعض.
العالم بطبيعته وحدة متكاملة و رغم ذلك يتخذ دائما مظاهر مختلفة فبينما الناس يحاولون جاهدين دراسة و شرح مظهر واحد .. يدخل المشهد مظهر آخر يكون مناقضا للسابق. و قد حاول العلماء توحيد المظاهر المختلفة للواقع كي تزول التناقضات لكن هذا امر صعب للغاية. 
هناك حقيقة واحدة فقط لا تخضع لأي شك.. حقيقة قادرة على التوحيد و التوفيق بين جميع فروع المعرفة التي هي مجموعة متنوعة و هائلة من النماذج التي من خلالها يمكن ان يظهر لنا واقعنا. 
إن “تنوع الاحتمالات” هو السمة الرئيسية و الاساسية لعالمنا و قد تم صرف النظر عنها من خلال محاولات شرح مظاهر الانفصال و تحزب مختلف المدارس الفكرية لتجنب حقيقة تعدد الاحتمالات. 
نستخلص من هذه الحقيقة ان التعدد هو بمثابة بداية للقصة أو حتى نقطة المنشأ و مع ذلك فلا أحد يكترث لنقطة المنشأ كما لو انها لا تحتوي على أية معلومات مطلقا .. بيد أنها تحتوي على أكثر المعلومات غرابة.
دعونا نبدأ بحقيقة ان جميع الأشكال التي يتجلى من خلالها واقعنا يجب ان يكون لها مصدر و مكان حيث توجد العديد من الاحتمالات. ان العالم يكشف عن نفسه كمادة تتحرك عبر الزمان و المكان و تحرك هذه المادة يخضع لقوانين معينة و مع ذلك فإن الصيغ و القوانين هي اختراعات مجردة نابعة من عقولنا تم احداثها لتسهيل فهمنا و شرح ما نلاحظه بحواسنا و من المستبعد جدا ان تحتفظ الطبيعة بهذه الصيغ و القوانين مخبأة في مكان ما. 
إن ذاكرتنا ضخمة للغاية و لا يمكنها التعامل مع كمية هائلة من المعلومات و لكن بالنسبة للطبيعة اللانهاية ليست مشكلة.
في علومنا نمثل حركة المادة باستخدام القوانين بينما تتضمن الطبيعة هذه الحركة في شكلها النقي كعدد لا محدود من الأسباب و النتائج. و بشكل عام فإن بيانات كل كائن مادي ممكن و مساره على طول عدد لا نهائي من النقاط يتم تخزينها في حقل المعلومات و التي سنشير إليها بتعبير “فضاء الاحتمالات” و هو يحتوي على معلومات حول كل شئ كان.. و كل شئ سيكون.
“فضاء الاحتمالات” هو بنية معلوماتية لها اساس مادي نوعا ما. هذا الحقل اللامحدود من المعلومات يحتوي على جميع الاحتمالات الممكنة لاي حدث يمكن أن يحصل. 
دعونا لا نحاول تخمين كيف يتم حفظ هذه المعلومات فذلك ليس مهما على الإطلاق .. الشئ الأساسي هو ان نتذكر ان فضاء الاحتمالات يعمل كقالب أو كشبكة تنسيق لحركة المادة عبر الزمان و المكان. و من ثم فان كل نقطة في فضاء الاحتمالات تتضمن احتمالها الخاص لحدث معين. و لتسهيل فهم ذلك دعونا نفترض ان الاحتمال يتكون من سيناريو و زخارف.. الزخارف تمثل طريقة العرض الخارجية او نموذجا للحقيقة المتجلية .. بينما السيناريو هو المسار الذي يتم من خلاله نقل هذه المادة. 
و لجعل الامور أكثر سهولة يمكننا تقسيم فضاء الاحتمالات الي قطاعات ولكل قطاع سيناريو و زخارف خاصة به و كلما كبرت المسافة بين القطاعات كلما ازدادت الاحتمالات في السيناريوهات و الزخارف.
من الناحية النظرية لا توجد اي قيود على عدد المعلومات النصية { السيناريو} و الزخارف التي يمكن ان توجد في حياة الشحص و هذا لان فضاء الاحتمالات لا نهائي في الطبيعة. إن الحدث الأقل أهمية يمكن أن يؤثر على مصير مستقبل الشخص كما ان حياة الشخص هي تماما مثل اي عملية انتقال أخرى للمادة هي ليست سوى سلسلة من الأسباب و النتائج . 
في فضاء الاحتمالات توضع النتائج و أسبابها قريبا من بعضها البعض الواحدة تلو الاخرى و هكذا تشكل قطاعات مصير المرء مسار حياة .و الزخارف الموضعة على هذا المسار هي من نفس الطبيعة تقريبا و حياة الشخص تجري بالتساوي في اتجاه واحد إلى ان يحصل حدث يغير النصوص و الزخارف و بالتالي فإن المصير يستغرق دورة ثم يبدأ في التحرك على مسار حياة مختلف. 
إن الواقع يُظهر نفسه بدقة في كافة تعدداته نظرا لأن عدد الاحتمالات لا نهاية له.. إن أي نقطة منشأ سوف تجري في سلسلة الأسباب و النتائج. بعد اختيار نقطة منشأك سوف تحصل على مظهر مطابق للواقع و يمكننا القول ان الواقع يُظهر نفسه على طول مسار الحياة تبعا لنقطة الأصل المحددة.
إن كل شخص يحصل على ما يختاره / تختاره و لديك الحق في الاختيار فقط بسب وجود احتمالات لا حصر لها في الاساس و لا احد يمنعك من اختيار اي مصير تريد. 
إن السيطرة على مصيرك يُختصر إلي شئ واحد بسيط.. هو الاختيار.
ان الترانسيرفينج يتيح الاجابة على السؤال حول كيفية صنع هذا الخيار.. ان البنية المعلوماتية تتضمن عددا وافرا لا نهائيا من الامكانيات المحتملة و كل احتمال له نصه و زخرفه الخاص.
و لتوضيح التجلي في فضاء الاحتمالات نضرب مثال بأمواج المحيطات .. دعونا نفترض أنه نتيجة للزلزال تتشكل موجة على سطح البحر و تسافر على سطح المحيط مثل حدبة كبيرة.. لكن الماء نفسه يبقى في مكانه .. 
ليست كتلة الماء هي التي تتحرك بل هو تجلِّ إمكانات الطاقة.
وتنتثر الماء على اليابسة حول الشاطئ فقط كما ان كافة الامواج الاخرى تتصرف بالطريقة نفسها. في هذا المثال البحر هو فضاء الاحتمالات في حين ان الموجة هي التجلي المادي . اذن من جهة يتحرك المظهر المادي في المكان و الزمان و من ناحية أخرى تظل الاحتمالات في مكانها تستمر في الوجود الى الابد. هذا يعني ان كل شئ كان.. موجود الآن.. و سيكون! و لما لا ؟ 
الزمان ثابت كالفضاء و لا يمكنك ان تشعر بجريان الوقت الا عندما يتم تشغيل الفيلم و تتوالى الصور الواحدة تلو الاخرى. الآن انشر الفيلم و القِ نظرة! جميع الصور موجودة في وقت واحد.
اين اختفى الزمان !؟ كل الصور موجودة في وقت واحد .. 
الزمن يظل ثابتا إلى ان نبدأ في النظر الي صورة تلو اخرى بشكل متلاحق.
و هذا بالضبط ما يحدث في الحياة الحقيقية و هذا هو سبب الفكر القائل ان كل شئ يأتي و يذهب يترسخ في وعينا. في الحقيقة كل ما هو مكتوب في حقل المعلومات كان هناك إلى الأبد و سيظل هناك دائما. ان مسارات الحياة موجودة بشكل بكرات الفيلم. و ان كل ما يحدث لا يختفي إلى الابد بل يستمر في الوجود. و كل ما هو على وشك الحدوث يحدث الآن .. فالحاضر هو مجرد تجلِّ مادي لقطاع معين في فضاء الاحتمالات على مسار معين من حياتك.
ان فضاء الاحتمالات يعمل كقالب و يحدد ما هي الطريقة التي ينبغي أن يتجلى بها في الواقع .. تخيل غابة مظلمة و رجلا يحمل مصباحا يدويا..
الرجل يسير في الغابة و حيثما يشير مصباحه فهو يلقي الضوء على جزء صغير من الغابة. الادراك يُظهر نفسه مثل بقعة الضوء و الغابة المظلمة بـأكملها هي فضاء الاحتمالات .. بينما الجزء المضئ هو إدراك الاحتمال في قطاع معين. 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة