حيانا ما يُلجمنا الانبهار أمام لوحة تشكيلية أتقن فيها الفنان إبراز التفاصيل ومحاكاة الألوان الطبيعية حتى تكاد الصورة المرسومة تنطق بمكنونها وتشير للمشاهد لها على مكانها في الطبيعة.
ويكون الانبهار أعظم عندما تتحول الألوان والفرشاة إلى قطع متناهية الصغر من الزجاج الملون لترسم لوحة بالغة الدقة من الفسيفساء لوجه شخص معروف أو محاكاة للوحة شهيرة لفنان عالمي معروف.
الفنان التشكيلي المصري "سعد روماني ميخائيل" استطاع أن يقدم حالة من الإبهار لاستخدامه الفسيفساء الدقيقة "المايكرو موزاييك" في رسم أعماله. المبهر في لوحاته أن الفنان استبدل الألوان بالزجاج الأوبيك الملون والفترال الشفاف- متأثرا بفترة عمله كمصمم للمجوهرات- فيرسم بالزجاج كمن يصفف الجواهر.. ليقدم عملا فنيا مكتملا لا ينقصه التركيز على أماكن الظل والنور أو المنظور المكاني في اللوحة.
فن الفسيفساء الدقيقة أحد أصعب الفنون وأكثرها حاجة للصفاء الذهني والصبر الشديد حتى إن لوحة واحدة قد تستغرق شهورا أو أعواما لإعدادها - وهذا يفسر قلة إنتاج الفنان- فبالرغم من أنه بدأ العمل في مجال الفسيفساء الدقيقة قبل ١٨عاما إلا أنه لم ينتج سوى ٣٧ لوحة فقط.
يقول سعد روماني: "من أهداف لوحاتي تطويع فن الموزاييك ليكون قادرا على التعبير عن الإلهام والتحرر من المفهوم القديم لارتباط الفسيفساء بالجداريات مع التحكم في جميع التفاصيل الدقيقة لتتحول الفسيفساء إلى لوحات مستقلة لها جميع المواصفات التي تؤهلها للاقتناء والتداول».
فكرة هذه اللوحات جاءت من رغبة الفنان في إحياء روائع التراث العالمي القديم باستخدام الفسيفساء الدقيقة لتخليد هذه الروائع من لوحات التصوير الزيتي برؤيته الخاصة.. وتحويلها إلى لوحات من الفسيفساء القادرة على عبور مئات السنين دون أدنى تأثر في ملمسها أو ألوانها أو حتى الأحاسيس المنبعثة منها. فقدم تحويرا للوحات مثل «شمشون ودليلة» و«المدخن» و«مدام ريمسكي كورساكوف» و«روميو وجولييت» ولوحتان للفنان الهولندي «ڤان جوخ» من دون الإخلال بتفاصيل اللوحة الأصلية.
يقول رئيس الجمعية المصرية لنقاد الفن التشكيلي "كمال الجويلي" عن الفنان: «سعد روماني يصور الموضوعات التاريخية إلى جانب الرؤى الحديثة كالمناظر وحركة الأشخاص بالفسيفساء الدقيقة بدقة عجيبة قد تصل إلى أنه يضع مئات من القطع الصغيرة جدا في البوصة الواحدة.. فيذكرنا بالمدرسة التنقيطية التي تلتقط ومضة الضوء. كما أن مخيلته الجمالية تذكرنا بالفنان المصري القديم صانع أول حضارة في التاريخ.
ويصف الناقد المصري مكرم حنين أعمال سعد روماني قائلا في رؤية نقدية: استطاع الفنان أن يحول قطع الزجاج الملون إلى قطع من الماس على مدى ثمانية عشر عاما من التحدي كي يستنطق قطع الزجاج المتناهية الصغر التي يصل عرض الكثير منها إلى أقل من الملليمتر مقدما ملايين من الدرجات اللونية. لم أشاهد مثل هذا الإبداع سوى في بعض المتاحف النادرة في ألمانيا.. والجديد أن الفنان ذهب إلى أبعد مما وصل إليه الأوروبيون لأنه يقوم بتفكيك المساحات اللونية ويعيد تركيب جزئيتها اللونية.
أقام الفنان معرضه «سيمفونية جديدة... تحمل عبق التاريخ» بقاعة الفنون التشكيلية بدار الأوبرا في عام ٢٠١٠
💖 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة