أكان المتنبي يعرف أباه؟!

قال المؤرخون نعم .. و لم يقل المتنبي شيئا..

 فأنت تقرأ ديوانه من أوله لآخره و تقرؤه مستأنسا متمهلا فلا تجد ذِكراً لهذا الرجل الطيب الذي أنجب للقرن الرابع عشر شاعره العظيم.

لم يمدحه المتنبي.. لم يفخر به.. و لم يرِثه المتنبي .. و لم يظهر عليه الحزن حين مات !

أكان ذلك المتنبي لأن المتنبي لم يعرف أباه؟ أم كان ذلك لأن المتنبي عرف أباه و لكنه لم يرَ له خطرا ولم يرَ في ذكره ما يرفع شأنه و يرد عنه كيد الكائد و حسد الحسود؟ أم كان المتنبي يزدري أباه و يكبر شعره عن يقف عنده مادحا أو هاجيا و نادبا أو راثيا؟

كل ذلك ممكن.. لكن الشئ المحقق ان المتنبي كان يؤثر أن ينتسب إلى السيف و الرمح .. إلى الحرب و البأس.. على  أن ينتسب إلى هذا الرجل الطيب الذي سماه المؤرخون الحسين و نسبوه إلى “جعفى” - من أحياء اليمن- من عرب الجنوب.

أكان المتنبي يعرف جده .. لا يُحدثنا ديوانه بشئ.. و من أعرض عن ذكر أبيه لا يُستغرب منه أن يُعرض عن ذكر جده..و من لم يعرف أباه لا يعرف جده.. و مهما يكن من شئ فقد كان للمتنبي أب و كان له جد لأننا لا نعرف إنسانا ليس له أب و لا جد إلا اللذين استثناهما الله عز و جل.

لم يعرف المؤرخون و لا النسابون من أمر جده  قليلا و لا كثيرا .. أما أبوه فقد زعموا أنه كان سقًّاء في الكوفة.. تحدث المؤرخون بذلك و هم بين متحدث به يريد أن يرفع من شأن المتنبي الذي انحدر من رجل فقير فملأ الدنيا و شغل الناس و بين متحدث بذلك ليضع من شأن المتنبي الذي انحدر من رجل حقير فورث عنه الحقارة..كان أبوه يبيع الماء للناس و كان هو يبيع ماء وجهه على الممدوحين.

و ما أظن أن الذين ذكروا مهنة أبيه قد قصدوا إلى إثبات الحق من حيث هو حق و تسجيل التاريخ من حيث هو تاريخ.. و إنما قصدوا إلى ما ذكرت لك:

 الرفع من شأن المتنبي أو الوضع من قدره.. فكأنهم إذن لم يصنعوا شيئا .. و كأنهم إذن لم يعرفوا من أمر المتنبي إلا مثل ما عرفوا من أمر جده.. أي لم يعرفوا شيئا ما. و لعل المتنبي نفسه قد عرف الكثير من أمر أبيه و جده و لكنه كان يظهر غاليا في الغرور مسرفا في الكبرياء.. و كان غروره فيما يظهر أكبر من شعره فأفسد عليه الأمر إفسادا.

و التاريخ يحدثنا بأن أبا جرير لم يكن شيئا و بأن جريرا قد أضاف إليه من الخلال و الخصال و الأخلاق ما لم يكن منه بسبب حتى غلب به الشعراء و قهر به الفحول..  ثم لم يمنعه ذلك من أن يظهره للناس كما هو ليثبت لهم ان شعره كان أكبر من غروره .. و أن طبع أبيه قد أعياه فأنجده شعره و أعانه على أن يخلق أباه خلقا جديد. و من يدري لعل جريرا  كان يعرف أباه فصوره كما أراد لا كما كان  و قد ذُكر في الأغاني الجزء السابع 

“حدَّث صاحب الأغاني قال:-

 قال الأصمعي :-  حدثني بلال بن جرير  أو حُدثت عنه ..

 إن رجلا قال لجرير:- من أشعر الناس؟ 

 قال له :- قم حتى أعرفك الجواب.. فأخذ بيده و جاء به إلى أبيه عطية و قد أخذ عنزا له فاعتقله و جعل يمص ضرعها..

 فصاح به:- اخرج يا أبت..

فخرج شيخ دميم .. رث الهيئة و قد سال لبن العنز على لحيته ..  

 فقال جرير :ـ ألا ترى هذا؟

قال:- نعم..

قال جرير:- ألا تعرفه ؟!

قال:- لا..

قال جرير :ـ هذا أبي .. أتدري لم كان يشرب من ضرع العنزة؟! 

قال:ـ  لا

قال جرير :- مخافة أن يُسمع صوت الحلب فيُطلب منه لبن..

ثم قال:- أشعر الناس من فاخر بمثل هذا الاب ثمانين شاعرا و قارعهم فغلبهم جميعا.”

اما المتنبي فلم يكن يعرف أباه .. فلم يستطع أن يصوره لا كما أراد و لا كما كان.

و بعد فليس يضع من قدر المتنبي عندي ألا يعرف لنفسه أباً و ليس يرفع من شأنه أن يكون أبوه من المجد و نباهة الذكر بحيث كان غالب ابن صعصعة أبو الفرزدق و شيخ تميم 

و انا أقبل من المتنبي في إعجاب لا حد له هذا الأبيات التي هي من أروع ما قال من الشعر ..

أَنا اِبنُ مَن بَعضُهُ يَفوقُ أَبا ال

                باحِثِ وَالنَجلُ بَعضُ مَن نَجَلَه

وَإِنَّما يَذكُرُ الجُدودَ لَهُم

                        مَن نَفَروهُ وَأَنفَدوا حِيَلَه

فَخراً لِعَضبٍ أَروحُ مُشتَمِلَه

                        وَسَمهَرِيٍّ أَروحُ مُعتَقَلَه

وَليَفخَرِ الفَخرُ إِذ غَدَوتُ بِهِ

                          مُرتَدِياً خَيرَهُ وَمُنتَعِلَه

أَنا الَّذي بَيَّنَ الإِلَهُ بِهِ ال

                   أَقدارَ وَالمَرءُ حَيثُما جَعَلَه

جَوهَرَةٌ يَفرَحُ الكِرامُ بِها

                    وَغُصَّةٌ لا تُسيغُها السَفِلَه

إِنَّ الكِذابَ الَّذي أَكادُ بِهِ

                 أَهوَنُ عِندي مِنَ الَّذي نَقَلَه

فَلا مُبالٍ وَلا مُداجٍ وَلا

                        وانٍ وَلا عاجِزٌ وَلا تُكَلَه

وَدارِعٍ سِفتُهُ فَخَرَّ لَقىً

            في المُلتَقى وَالعَجاجِ وَالعَجَلَه

وَسامِعٍ رُعتُهُ بِقافِيَةٍ

                    يَحارُ فيها المُنَقِّحُ القُوَلَه

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي

            مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَه

وَيُظهِرُ الجَهلَ بي وَأَعرِفُهُ

                    وَالدُرُّ دُرٌّ بِرَغمِ مَن جَهِلَه

فالمتنبي كما ترى لا ينسب نفسه إلى أب كآباء الناس و إنما ينسب نفسه إلى متجزئ له بعض يمتاز عن كله.. و بعضه هذا يفوق آباء الباحثين عن نسبه المقتصين لأمره.

 هو لا ينسب نفسه إلى رجل لأنه لا يحفل أو لا يريد أن يحفل بالانتساب إلى الرجال و انما ينتسب إلى الآباء و الجدود منْ غلبه المفاخرون و قهره المنافرون

 و قطعوا عليه السُبل و سدُّوا عليه أبواب الحيلة .. فاتخذ الأباء و الجدود تعلة و معذرة يلتمس عندهم ما لا يجد عند نفسه و يستعير من أعمالهم ما لا يجد في أعماله.

 هو إذن لا ينتسب إلى الرجال لأنه لا يريد أو لا يستطيع أن يجد في الانتساب إلى الرجال غناء.. و إنما ينتسب إلى معنى بعضه يُغني عن كل غيره ..

 و قليله يُغني عن كثير سواه.. هو ينتسب إلى البأس و الشدة .. إلى المروءة و النجدة.. إلى ارتفاع الهمة و بعض الأمل و حُسن البلاء:

 به يفخر السيف إن اشتمل السيف .. و به يفخر الرمح إن اعتقل الرمح .. و به يفخر الفخر إن اكتساه ثوبا أو احتذاه نعلا.

💖







تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة