“نحن نسمع صوت المطر بأعيننا” 

🪷

 فرانكفورت و ان كانت بلدا صناعيا إلا انها بالنسبة لي بلد جميل لي فيها ذكريات و معاملات و ناس ربطت بيننا صداقة بدأت بصدفة لقاء ثم استمرت.

 و هي من البلاد التي اعرف خزانيقها و حواريها و مقاهيها اللطيفة - طبعا ليست ماتعة زي مقاهي باريس -  لكنها مع ذلك لها مذاق خاص.

في إحدى أيام الشتاء المطيرة هناك جلست في مقهي جميل اعتدت ان ارتاده كلما توجهت  في رحلة  لهذا البلد..

 في المائدة المجاورة جلست سيدة وقورة معها شابة رقيقة جميلة.. 

كنت اتحدث في الموبايل بالعربي .. باللهجة المصرية.. و لما انتهيت توجهت الي الشابة بالتحية و سألتني اذا كنت عربية أوضحت لها أني مصرية و بدأنا الحديث و قالت انها تتعلم العربية لانها أحبت جرس اللغة التي سمعتها عند إحدى صديقتها العربيات المقيمات بألمانيا و رأت ان تتعلمها..

 و ما تصدق تتعرف علي حد علشان تتبادل معه الحديث بالعربية ..

 بس العربية الفصحى 🙂 

و لما توجهتُ بالحديث للسيدة المرافقة لها وجدت ان الشابة تدخلت و بدأت تتكلم معها بلغة الاشارة فتبينتُ انها صماء ..    

  لا تسمع و من ثم لا تتكلم..

 و دار الحوار بيني و بين السيدة من خلال الشابة التي عرفت لاحقا انها حفيدتها..

 و الحقيقة  ان الحديث رغم كونه بالإشارة الا انه كان ممتعا جدا لأن الحفيدة كانت تجيد اللغة العربية كما تجيد التعبير عن كلام جدتها تماما. 

عرفت ان الجدة  كانت عاملة تعمل في مصنع  أيام الحرب العالمية الثانية.. زوجها هو ايضا من الصم  لكن ابنتهم كانت طبيعية و هي من ساعدتهم في مواجهة الحياة و كمان ربنا انعم عليهم بالحفيدة الرقيقة الجميلة دي.. 

ارادت السيدة ان توضح لي انها تشعر و تحس كأي شخص طبيعي و ان هذه الاعاقة لا تمثل لها اي مشكلة و الجميل في العقل الغربي الوضوح و عدم الخجل .. 

يعني مثلا تطرق الحديث لأصوات الطبيعة حفيف الشجر و صوت المطر و زقزقة العصافير .. فكان ردها إن الصم يسمعون بأعيُنِهم و قالت الجملة اعلاه التي بدأت بها هذا المنشور.. «نحن نسمع صوت المطر .. بأعيننا»

 الحقيقة الجملة لمست قلبي و هزتني بجد و شرحت لي انها تتفهم الاختلاف و الآن المجتمع أيضا اصبح آكثر تفهما و عبرت عن معانتها هي و زوجها من التعامل مع الناس حتى من أقرب الأقرباء ..

 قالت ان الاختلاف في ذاك الزمن كان محلا لابتعاد الناس عنهما و تجنب التعامل معهما حتى في العمل و يمكن لولا الحرب لم يكونا ليجدا عملا و رغم ذلك كان هناك من يتعاطف معهما و يقدم لهما يد المساعدة … 

دنيا و سيد الكون منظمها  

حين كنت أسأل كانت الحفيدة تُترجم سؤالي و انا اطالع عيني السيدة و كأن أذنيها و حواسها كلها تجسدت في هاتين العينين..

 كانت عيناها تلتمعان بذكاء فطري.. والله كانت  عيناها تتكلم حتى اني كنت اخمن الاجابة قبل ان تترجمها الحفيدة.

و الحقيقة تحضرني هنا مقولة هي تجسيد لوصفي السابق..

  «قالوا الكلام و لا السمع؟ .. قلنا الإحساس بيوصَّل الضحك و الوجع»

 و الحقيقة كمان كنت أشعر ان السيدة تتلقى سؤالي بعينيها و تفهم ما أريد إيصاله و يتأكد لي ذلك من ابتسامة كانت ترتسم علي وجهها و كأنها تقول..

 “آه هذا ما خمنته بالضبط ”.. أيقنت أن لغة الصم و البكم ليست مجرد إشارات و إنما إحساس و مشاعر نبيلة و ان ربنا عادل و لازم يعوض و عرفت من قرأتي ان الصم و البكم يتمتعون بذكاء حاد و فراسة عوضهم بها الله عن فقدان حاسة السمع   

 بعد الموقف ده صممت ان اتعلم لغة الاشارة و خاصة اني اقابل الان عديد ممن فقدوا حاسة السمع حيث توجد مدرسة للصم و البكم في مكان قريب من منزلي  و أشاهد الشباب بنات و أولاد متجمعين يتحاورون و يبتسمون و هم يتحدثون بالإشارة..لكن للأسف هذا الحلم لم استطع تحقيقه حتى الآن لكن مازلت أحلم و ابحث عن وقت ومعلم

💖


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة