اهتم الناس و انشغلوا أكثر مما يجب بلغة العقل و ظهر هذا الاهتمام جليا في اسطورة برج بابل و التي - و كما تقول الرواية - جاء فيها أن الآلهة غضبت من البشر لأنهم ارادوا بناء برج يبلغ عنان السماء و لهذا خلطوا - أي الالهة - لغات الناس بعضها ببعض فما عاد يفهم الناس بعضهم بعضا.
و ترتب على اهتمامهم هذا ان ابتعدوا عن الروح أو الوعي الباطني الذي يوجد في الإنسان منذ ولادته. الوعي يحضر عندما يكون كل ما يحيط بنا مُعرَّفا بمفاهيم لغة البشر لكن الحاصل ان العالم ليس موجودا لأن الناس وصفوه بواسطة مفاهيمهم فأصبحت روح الإنسان بهذا المعنى جاهلة لأنها لا تفهم اللغة الإنسانية فهي تفهم فقط ما اعتدنا على تسميته بالإحساس.
في البداية تظهر فكرة ثم تتبلور في كلمات.. لكن أن تفكر دون كلمات فتلك هي اللغة المفهومة للروح اذ مع اللاشعور لا جدوى من الحديث بلغة العقل..
و ليس كل ما نريد يمكن التعبير عنه بواسطة مجموعة المفاهيم القائمة..
ألا تقول أحيانا مش عارف أعبر بالكلمة عن ما يدور في نفسي!؟..
و كما قال سيدى النفري كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة
لكن لحسن الحظ يبقى هناك أسلوبا واحدا للتعبير العام يتجسد في الأعمال الفنية .. هذه الأعمال تكون مفهومة دون كلمات فلغة الروح هنا مفهومة للجميع لأنها لغة الأشياء المنجزة بمحبة و رغبة..
فحين يسير الإنسان نحو الهدف المنشود عبر الباب الصحيح أو بشكل أدق الإشتغال الحقيقي على موضوعه فإنه ينجز تحفا و هكذا بالتحديد يولد ما يُسمى الفن و الإبداع..
يمكن أن تُرسم لوحات فارغة لا روح فيها هنا لن يخطر على بال أحد أن يسميها تحفا.. لكن إذا كان بالإمكان أن نقول عن العمل « فيه شيئا ما» حينها يمكن أن نسميه عملا فنيا..
كن أنت صديقي هذا العمل الفني المفهوم للجميع و فورا و دون كلمات.
مثال على ذلك «ابتسامة الچوكندا» تلك الابتسامة هي لغة يفهمها الجميع.. بل ما يُفهم غير هام فكل واحد يفهم و يشعر بطريقته.. بلغته!
لكن بكل تأكيد يمكن القول “ إن تلك الابتسامة فيها لغز أو شئ ما يصعب التقاطه .. و هنا و في كل الأحوال لن تستطيع الكلمات تفسير ذلك الشئ.
ألم يخطر على بالك أن ابتسامة الچوكندا و ابتسامة بوذا متشابهتان لحد بعيد!؟ إن بوذا قد بلغ الاستنارة في حياته .. أو بكلمات أخرى قد تمكن كما القطرة من الإحساس بوحدته مع المحيط .. ابتسامة بوذا على جميع اللوحات رصينة و بنفس الوقت تعبر عن السكينة و الغبطة.
يمكن وصفها و كأنها «تأمل الخلود».
من يشاهد للمرة الأولى ابتسامة بوذا يظهر عنده خليط غريب من الحيرة و الفضول .. لانها تُذّكر القطرة بكل ما هو بعيد و منسي.. «الإحساس بالوحدة مع المحيط» و أي ذِكر عن وحدة غابرة تلامس أوتار الروح الحساسة!
لكن لغة الروح تعطلت بعد ظهور اللغة الإنسانية فقد انشغل الناس و اهتموا اكثر بلغة العقل و اذا عدنا لقصة بابل نجد ان غالبية الأساطير و الخرافات حقيقة.. لكنها حقيقة في تفسير مفاهيم العقل.
فمن الممكن ان يكون البرج العالي تعبيرا مجازيا عن الجبروت الذي بلغه الناس عند اكتسابهم المقدرة بإدراك على تشكيل إرادتهم في لغة العقل .
الصعوبة تكمن في ان الروح خلاف العقل ..هي لا تفكر لكنها تعرف..
في حين ان العقل يتبصر في المعلومة الحاصلة و يمررها من خلال مصفاة مفهوم عقيدته.
💖
ڤاديم زيلاند
كتاب ترانسيرفينج الواقع (٢)
حفيف نجوم الصباح
Photo by :#Andrei_Berlowski

تعليقات
إرسال تعليق