« كيف تُحَدِّث من لم يذق طعم النبيذ عن تحولات العنب.»
مولانا جلال الدين الرومي
🪷
يحكى أن رجلا اسمه الوهم ذهب يبحث عن الحقيقة..
قطع وديانا و وهادا.. صعد تلالا و جبالا .. سار في حقول الملح المتبقي من دموع المحبين ..
ظل يسير تحت الشمس.. يخوض في الثلوج.. حتى وصل إلى كهف غائر تقف على بابه أميرة الحقيقة و على وجهها سبعة أقنعة.
كانت أميرة الحقيقة غاضبة تشيح بوجهها عنه .. أحس أنه يختفي حين ظهرت في الصورة و لم تنظر إليه.
ذاب في صدره حنين كان في الأصل بكاء تجمد و هو يعبر ثلوج القمة.
قال الوهم للحقيقة :- أنتِ لا تنظرين إليَّ !
قالت الحقيقة:- لم أعد أستطيع.
تهاوى تحت قدميها و انخرط في البكاء.. و رغم بكاؤه لم تُنبت دموعه زهرة واحدة..
أدرك حينها أن دمعه نفد و هو الآن يبكي بدم بقلبه..
كان الدم يقتل بذور الزهر..
و لازلت لم تنظر أميرة الحقيقة إليه !
أخذ يحكي لها عن الأهوال التي عاينها و هو في الطريق إليها..
أشار إلى قدميه المشققتين من السير ..
و وجه الممتقع من السهر ..
مزق قميصه لتشاهد آثار مخالب التنين الذي صارعه..
و رغم ذلك لم تنظر أميرة الحقيقة إليه.
أنهى كلامه بقوله لقد مِتُ في رحلتي عشرات المرات ..
كنت انصهر في قلب الشمس .. أتجمد في قاع الثلوج.. أسير متجها نحوك..
اخلعي بربك قناعا من أقنعتك لأرى وجهك.
ألقت إليه قناعا من أقنعتها و ظلت على وجهها بقية الأقنعة..
عاود تضرعه و بكاؤه و أنشأ يحدثها أنه أحس بالعمى حين حدثته أنها لا تراه ..
كان هذا القول يُسدل على الدنيا أمام عينيه سترة سوداء سابغة.
ضحكت أميرة الحقيقة ضحكة قصيرة لم يعرف سرها و ألقت إليه بقناعٍ آخر و ظلت على وجهها بقية الأقنعة.
عاود حديثه عن حبه للأميرة .. مس طرف ثوبها و حاول تقبيله..
أسكره العطر المتصاعد من تنفسها..
عَبِقَ المكان بطعم عنقود من العنب أصابه العشق فذبل..
ثم تحول إلي حبات من الزبيب ..
و لما بكت كل حبة وُلِدَ من بكائها النبيذ..
دار رأسه قبل أن تمس شفتيه طرف الإبريق..
مات عنقود العنب أثناء تحولاته.
أدرك الوهم و هو ينظر إليه حقيقة الفرق بين جسد الصدق و وهم الكذب..
لكي يولد الصدق لابد أن يموت الوهم..
أدرك الوهم و هو يسعى لكشف أقنعة الحقيقة السبعة -و هو لا يزال حيا- أن وجوده على قيد الحياة دليل كاف على انهيار دعواه ..
أدرك أن الحقيقة لن تكشف له من أقنعتها أكثر مما كشفت.
خرج إلي البحر و ألقى بنفسه في قارب..
و قطع كل الحبال التي تربطه بالبر ..
فاندفع القارب في الهياج الجامح..
كان الموج يرتفع لحظة بعد لحظة و بدأت الأمواج تملأ القارب.
"ما قادك شئ مثل الوهم"
سيدي ابن عطاء الله السكندري
💖

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة