روى «بابلو نيرودا» في مذكراته قصة عجيبة حيث يقول:-
أذكر حكاية ذات تأثير كبير في نفس كل من يسمعها و هي حكاية الشاعر الأندلسي «بيدرو جارفياس» ..
فقد هاجر هذا الشاعر من إسبانيا أثناء الحرب الأهلية و استقر به المنفى في حصن من حصون اسكتلندا في شمال انجلترا. و كان هذا الحصن منعزلا بعيدا فكان الشاعر بطبيعته الأندلسية القلقة الانيسة معا يذهب كل يوم إلى مقهى منعزلة هناك في تلك المنطقة و يجلس وحده في صمن و سكون ..
إذ أنه لم يكن يتكلم الإنجليزية بل إنه يكاد لا يتكلم الإسبانية اللهم إلا في لغة أندلسية غجرية ماكنت أنا الإسباني اللغة أفهمها إلا بصعوبة.
و كان الشاعر «جارفيس » يقضي وقته الطويل في هذا المقهى و هو يحتسي مشروباته في اكتئاب و إحساس بالوحدة.
لفت هذا الإنسان الأخرس الأبكم الوحيد نظر صاحب المقهى الصغير..
و ذات ليلة بعد أن غادر جميع رواده .. التفت صاحب المقهى إلى الشاعر و طلب منه في رجاء أن يبقى ليستمرا معا في تناول ما يشاءان من المشروبات حتى مطلع الفجر. و أن يجلسا معا قرب نار المدفأة المتوقدة التي تقذف الشرر فتبوح بما لا يستطيعان البوح به .
و أصبحت دعوة صاحب المقهى للشاعر عادة يومية .. ففي كل ليلة يستقبل صاحب المقهى ذلك الشاعر الوحيد إذ كان صاحب المقهى وحيدا مثله ..
فلا إمرأة تؤويه و لا أسرة تشغله أو تسليه.
شيئا فشيئا أخذت العُقَد تنفك من لسانيهما فكان الشاعر «جارفيس» يحكي لصاحب المقهى قصص الحرب الأهلية الإسبانية كلها عن طريق صيحات و إشارات و لعنات و تأوهات أندلسية!.. و كان صاحب المقهى يُصغي إليه في سكون مهيب دون أن يفهم و لاكلمة واحدة مما يقوله الشاعر . و بدأ صاحب المقهى الاسكتلندي يقص علي الشاعر حكاية فشله في حياته أو هكذا كان الشاعر يتخيل. كان صاحب المقهى يروي حكاية هروب زوجته و انفصال أبنائه عنه وكانت صور هؤلاء الأبناء بأزيائهم العسكرية تزين الجدران حول المدخنة.
كل هذا قد يكون هو ما كان يحكيه لصديقه .. أقول قد.. لأن «جارفياس» الشاعر لم يكن قد فهم كلمة واحدة مما كان يقوله صديقه صاحب المقهى و ذلك خلال الشهور الطويلة التي استغرقتها هذه الأحاديث الشيقة الغريبة.
غير ان صداقة هذين الرجلين الوحيدين المهجورين الشاعرين بالغربة اللذين يتحدثان معا في ود و عاطفة فيروي كل منهما همومه و شئونه بلغته التي لا يفهمها الآخر راحت تزداد و تنمو و تتعمق كل ليلة حتى الشروق و أصبحت الصداقة ضرورية لكل منهما.
و حين أصبح على الشاعر «جارفايس» أن يرحل مضطرا إلى المكسيك ودع الصديقان بعضهما متحدثين متعانقين باكيين حزينين و الذي كان يحز في نفسيهما أنهما سيعودان من جديد إلى العزلة و الوحدة.
و حين سأل «نيرودا» صديقه « جارفياس» عندما التقاه في المكسيك ماذا تظن يا بيدرو أنه كان يقص عليك؟!
قال له الشاعر «جارفياس»:- الحقيقة يا بابلو أنني ما فهمت منه كلمة ..لكن حيث كنت أنصت إليه كان عندي شعور أكيد انني أفهم كل ما يقول و حين كنت أتكلم أنا كنت متأكد كذلك أنه كان يفهم كل ما أقول .. و هذا هو المهم.
🪷
هذا ما رواه نيرودا في مذكراته و ان دل هذا على شئ فإنما يدل علي الانسان بحاجة لمن يسمع .. من ينصت.. لما يُحسه من وحدة و اغتراب..
لما يشعر به من ألم ..
فللألم كبرياء مثله مثل اي شعور صادق و كريم..
و لابد ان نجد بين قش الحياة و عشبها الأصفر وردة تفوح بعطر المحبة و التعاطف..
قد تخون الكلمة لكن أبدا لا يخون الإحساس..
فدائما هو الاحساس الذي يصل مهما احتجب وراء الكلمات ..
الاحساس هو لغة مشتركة بين النفوس و القلوب ..
لغة ليس لها حروف ..
لا تُكتب و لا تُقال لكن..
الروح تلمسها و تترجمها و تفهمها..
و الأهم … تُصدقها لأنها لغة القلب..
لغة التعاطف الإنساني الجميل ..
لغة الاصغاء و المشاركة..
لغة الحنان.
💖

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة