في حوار غاية في الرقي و الود بين الشاعر صاحب التقويم الجلالي و المُعَلم بالمدرسة النظامية بطوس ثم بأصفهان "عمر الخيام"..و الفقية مفتي طوس ثم أصفهان "الإمام أبو حامد الغزالي"..

..تعريف بشخصيات يتم ذكرها في الحوار
١-“ملكشاه” :- ابن آلب أرسلان حاكم بلاد فارس و محيطها في تلك الفترة.
٢-أبو علي :ـ هو نظام المُلك مؤسس المدارس النظامية في انحاء دولة فارس و حتى بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية آنذاك
٣-تركان خاتون:- زوجة مُلكشاه حاكم فارس في ذاك الزمان
🪷
ع:- يا أبا حامد.. بناء على ما تقول فكل الآراء و الأحكام - و طبعا فتاويك- لا تستند إلا إلى العقل و الحقيقة. إن أفكار كل شخص لا تنحصر بالعقل المحض. لكن دعنا نتخيل أننا نحكم على أساس العقل بينما نحن جميعا أسرى رغباتنا..
هذا ليس جيدا و ليس سيئا.. أريد فقط أن أقول إننا لسنا بإمرة العقل فقط.. فحين انتقدتَ “علي بن أبي طالب” بأن أفعاله في عهد الخلافة أدت إلى تقسيم المسلمين- و أيد ذلك شريح لانه كان يميل لبقاء حكومة الخلافة و عدم تقليص سلطة المسلمين- هذه رغبتك أنتَ لأنكَ ضمن نظام الملك و الخليفة فمن المهم أن تحافظ على سلطتهما و قوتهما. حتى لو كنت أنتَ نفسَك ترغب في ذلك و أحكامك و فتاواك هي باسم المحافظة على وحدة المسلمين و شرف الإسلام. لكن في الحقيقة لديك رغبة في السلطة.. أما بالنسبة لشخص لا تساوي السلطة و الحكومة عنده عطسة معزة فلن يكون لهذ السلطة و القوة قيمة عنده أيضا.
أ:- لكن بعض الأعمال تُشعل نار الحرب و الصراع بين المسلمين و يجب تجنبها.
ع:- الحروب آفة يصنعها الجنس البشري بسبب أنانيته.. فتأتي على الأخضر و اليابس. هل سمعت أن القوات الصليبية ذبحت المسلمين في القدس؟ الصليبيون يقتلون المسلمين من أجل شرف إلههم و عزته. أليس كذلك؟
أ:- أنا أعدد الشواهد في الفقه و الفتاوي المتعلقة بي و لا شأن لي بقرارات الملوك و الأمراء.
ع:- يا أبا حامد.. الإنسان يتأثر بالظروف التي ينغمس فيها طوعا أو كرها. إن معاشرتك لأصحاب السلطة و السياسة تخدع عقلك.. تسلبك الشجاعة لاتخاذ القرارات. يجب أن تكون أكثر حرصا على عدم التشبث بالآخرين. نحن نعطي رأيا عقلانيا حول شئ ما.. تسير رغباتنا في اتجاه و يجد عقلنا دليلا يُثبت أنه قرارٌ عقلاني- لكن الواقع- قَرَرت الرغبة ما نريده قبل عقولنا. 
على المرء ترميم رغبته و معالجتها لا عقله.
أ:- غَرقتُ في كلامه ذاك الذي قال فيه “إن على المرء أن يرمم رغبته لا عقله” .. كنت تناقشت طول الطريق من طوس إلى أصفهان مع رفيقي على أمل أن أتغلب على عمر الخيام في المناظرة .. لكن عمر شن هجوما أكثر عنفا عليّ.. ما أربك أفكاري و ضعضع تماسكها. حاولت أن أضع ما استجد من كلام عمر الخيام جانبا و أشن هجومي عليه بالذي كنت قد احتفلت به مسبقا في مخيلتي لكن عمر الخيام غير اتجاه الكلام و كأنه لم يكن هناك نقاش..
و قال:- دعك من هذا الكلام يا أبا حامد كلها أساطير نتجادل فيها بشأن أشياء غير موجودة .. و من ثم سلَّمني قصاصة ورقية و قال:- اقرأ هذا سيعجبك .. كانت رباعية تقول:-

إن الأُلي بلغوا الكمال و أصبحوا 
ما بين صحبهمُ سراجَ النادي
لم يكشفوا حلكَ الدّياجي بل حكوا
أسطورةً ثم انثنوا لرُقادِ.

ذكرني عمر -من دون أن يعلم- بكلامه عندما دعا معتقداتي قصصا و خرافات و أساطير.. قلت معترضا:ـ
أ:- إيماني ليس خرافة يا أستاذ .. إنكار الإيمان كفر.
ضحك عمر و قال :- هل ترميني بالإنكار و الجحود يا أبا حامد؟ هل كل من يخالفك الرأي هو كافر؟!
أ:- أنت تقول إن كلامي هو قصة و خرافة.
ع:- و مازلت أقول إن الكلام الذي تنطق به خرافة تحاول تفسير العالم من خلالها إن كان هذا الكلام كفرا فأنا كافر.
أ:- إن كان هذا الكلام خرافة.. سيأتي يومٌ يغط فيه الجميع في النوم و نحن سنحاول عبثا. إذن لماذا تتحمل ملل الحياة؟!
ع:- لأن الحياة لا تزال لغزا بالنسبة لي. في اليوم الذي أرتاح فيه من إثارة التّعلم.. ستصبح الحياة مملة.
ثم بهيبة المعلم ـ إذ كان عمر الخيام مُعلم أبو حامد الغزالي في المدرسة النظامية بأصفهان- يا أبا حامد تعالى و اجلس أريد أن أحكي لك حكاية..
يا أبا حامد.. ليس من قبيل المبالغة القول إن هذه كلها خرافات.. تكررت بعض هذه الخرافات كثيرا لدرجة أنها أصبحت عادية بالنسبة لنا بحيث نعتقد انها حقيقية و نعتاد عليها و نشعر بالأمان في ظل وجودها.
أو يتم التعبير عن بعض هذه الخرافات بشكل جميل و مثالي لدرجة أننا نعدّها حقيقية و واقعية. لكنها في النهاية مجرد خرافة جميلة للغاية. لا آحد يعرف ما وراء هذه الخرافة و ما حقيقتها كل شخص يتحدث عن تجربته الخاصة. 
أحيانا أحسدك انت و من هم مثلك كيف تؤمنون بخرافاتكم براحة بال و اطمئنان. ليس لدي اعتراض على هذا الاعتقاد -إذا كان هذا مؤكدا بالنسبة لك- فهذا يكفي. لا يهمّ أي معتقد آخر لديك طالما يساعدك و يخرجك من هذا الظلام و الملل.
أ:- إذا كان كل هذا الكلام خرافة.. فما هي الحقيقة و الواقع؟! ليس بإمكانك ردُّ كل شئ و عدم الاعتقاد به و تصديقه.
ع:- لا أعلم يا أبا حامد.. كوني لا أعلم ليس بكفر. عدم المعرفة هو قمة التواضع بالنسبة لحكيم. ليس الجهل هو الذي يسبب المعاناة إنه وهم المعرفة لدى البعض الذي يضلل الناس. 
أما أنا فلا اعلم و لا أحد يعرف ما وراء الستارة .. ما من طريق للمعرفة..أيضا بصيرتنا غير قادرة على فهم الواقع في هذا العالم و ما نقوله مجرد تخمين .. 
أو كما أقول أنا “خرافة”!
أ:- إذا كان هذا الكلام خرافة فما الذي يدفعنا لتحمل ملل هذه الخرافة؟!
الحياة مليئةٌ بالملل.
ع:- ذاك الذي لا أعرفه يا أبا حامد.. على المرء أن يفر من الملل و يكون سعيدا قدر الإمكان. إذا لم يكن هناك ما يسعدك يوما ما و أصبح كل شئ مملا فسيكون من غير المجدي البقاء في هذا العالم.
عندما كنت شابا كنت أذهب مع"ملكشاه" للمشاركة في مباريات كرة الصولجان أما هذه الأيام فأذهب لمشاهدتها فقط.. عندما كنت أتوجه للعب كرة الصولجان و التي لم تكن سوى لعبة طفولية ، لم أكن أقلل من شأنها أبدا ألعبها بشغف كأنها غاية حياتي و مناي.. لكن هذه الغاية لم تكن أكثر من لعبة طفولية.
أ:- إن الله تعالى يقول في كتابه “ إنما الحياة الدنيا لعبٌ و لهو”.
ع:- أحسنت يا أبا حامد.. أحسنت.كل شئ في هذه الدنيا و الحياة هو لعبةٌ. فقط لعبة معقدة. الدين السلطة و السياسة .. حتى بصيرتنا.
أ:- بصيرتنا!.. يمكن تشكيل بصيرتنا خارج هذا العالم و في ذاتها.
ع:- لا يمكن تشكيل بصيرتنا خارج هذا العالم و بتجربتنا الخاصة. هذا هو الفرق بيني و بينك.. إن كل ما تقوله هو نتاجُ عقلك الذي كونته من تجاربك من دون أن تعرف أن تلك التجارب مُخزنةٌ فيك و في عقلك و أفكارك.. لكن على أي حال جاءوا من التجربة. لا أحد يستطيع التفكير بشئ لم يأت من تجربة.
لسنا قادرين علي تفسير شئ لا يخطر ببالنا. لهذا قال الأفلاطونيون “ لا يمكن بيان الله لأنه خارج بصيرتنا”. كما الحال عندما لا يمكنك رؤية ما هو أدق من الشعرة . هذه سمة بشرية.. كل ما صنعناه في هذا العالم من الدين و السياسة و القوة و السلطة هو من صنعنا نحن و ملوثة كلها ببعضها.. و هي كالسلاسل و الأغلال و القيود في أيدينا و أرجلنا نجرها حيث نذهب. بينما لا حاجة لكل هذه السلاسل و الأغلال. ما فعلناه فقط أننا زدنا من أحمالنا و أثقالنا مع هذه السلاسل و القيود. 
انظر إلي جماعة الباطنية أو إلي منظومة السلاطين التركمان و الخليفة.. لقد ربطوا السياسة بالدين و كأنهم أوصياء على الدين و ولاة أمر المسلمين.
إنهم يستغلون الدين في إدارة العباد و فتح البلاد. هذا تلويث للدين.
أ:- الذي لا تؤمن به حتى.
ع:- أومن به؟! أأؤمن بكلام "أبي علي" أم بأفعال "تركان خاتون" أم بخلع الخليفة و تنصيبه و ما يتخذه من قرارات؟
تذكر هنا أبو حامد مقولة "تركان خاتون" -في موقف كان بينهما-
“ إذا احتك الدين بالسلطة فلن تصير السلطة متدينة.. بل الدين هو الذي يفسد” 
في كل مرة كنت أحاول أن أجد فيها أجوبة لكلام عمر الخيام يعاود عمر الهجوم من جديد بجدل آخر ما كان يفقدني القدرة على إدارة النقاش بسهولة لأخسر النزال أمامه في النهاية.
كنت أفكر في سبب عدم تمكني من مناقشة معلمي القديم هذا.. كنت أظن يوما اني أستطيع الولوج إلى عوالمه أثناء المحادثة ، لكن كلما كنت أقترب من وعيه و رؤياه و بصيرته ، كلما كان يبتعد متقدما إلي الأمام .
ع:- يا أبا حامد كوني لا أدري لا يعني هذا بحال من الأحوال الدعوة إلى عبثية الحياة و عدميتها و أنها بلا معنى.. أنا أقول أنه لا توجد غاية في النهاية.. ما من شئ هناك سوى الكلام. من أجل الوصول إلى الوعود الوهمية والمبهمة في نهاية رحلة الإنسان لا ينبغي للمرء أن يهمل جمال الطريق و الرحلة و حلاوتهما.
أ:- يعني أنك لا تؤمن بالآخرة؟
ع:- هل تريد الإنكار علي يا أبا حامد؟
أ:- إن أنت قلت أعوجا سأقول لك أنك تقول أعوجا.. هذا واجب عليَّ و تكليف.
ع:- من قِبل مَنْ تم تكليفك؟ "ملكشاه" أم الخليفة أم الله؟
أ:- المسلمون مكلفون ألا يسكتوا مقابل الكفر.. نعم هذا تكليف من قبل الله.
ع:- هذا اعتقادكَ انتَ .. أنا لست على اعتقادك و رأيك . لا تختبر كلامي و تتفحصه علي محك معتقدك.
أ:- ألا تؤمن بالآخرة و يوم الحساب؟
ع:- أنت تعلم أني لا أؤمن! لا أؤمن بالآخرة على الصورة التي أنت على يقين منها و تؤمن بها. ما من أحد عاد من ذلك العالم حتى يخبرني عنه. لكن إن كان هذا معتقدك فهذا حقك. هل تريد محاكمتي بسبب معتقداتك؟!
ثم تابع بودٍ.. حتى لو كنت أؤمن بالآخرة فلن أضيع لحظة من السعادة و الفرح في الحياة للوصول إليها. إن خياري هو عدم انتظار وعود إيمانك و أن أقدر الأيام الحالية من حياتي و أعيش سعيدا بها. لقد وجدتُ السعادة في داخلي و ليس في الفردوس الخارجي و هو فردوس موعود فوق كل ذلك.
أ:- هل تقصد أن هذه الحياة بكل تعقيداتها و أن هذا الخلق بكل تفاصيله سيختفيان بعد الموت؟!
ع:- أنا أيضا أريد أن أصدق أن شيئا ما سيستمر .. لكن هذه مجرد أمنية مجرد رغبة.. قد لا تتطابق مع الواقع. أحلام كثيرة لا تتحقق .. كونها رغبتي لا يعني أنها ستكون حقيقة واقعة.
أ:- من دون الله لا يستقيم الأمر.. و من ناحية أخرى من دون الله و الآخرة تصبح الأخلاق بلا معني و لا يبقى حجر على حجر و ينهار النظام الديني
ع:- هذا خوفك يا أبا حامد! انتم الفقهاء تضخمون المعصية و الخوف. البعض يستغل ذلك للمنفعة متسترا بالدين و البعض الآخر بدافع الجهل.. كل الأعمال هي فقط للهروب من عقاب الخطيئة و المعصية.
أ:- هذا عملٌ خاطئ.
ع:- حتى إن لم يكن خطأ أيضا فلا شأن لي به. أنا منغمس في كتبي لدرجة أنه ليس لدي وقت للخطيئة و المعصية لأعرف ما هو عقاب خطاياي. هذه وجهة نظري.. حتى إن كان هناك من سبيل لأعمالك فالطريق نفسه أعوج.
أ:- كان الاعتقاد بالتغلب على عمر في المنظارة أمرا عقيما و عبثيا و بلا فائدة.

الحقيقة أن الحوار اقتطعت منه كلاما كثيرا .. لكن هذا الحوار كان فيه من السماحة و القبول و التفكير في الجانب الآخر من زاويا الرؤية ما وسمه بالجمال و رحابة الفكر فضلا عن التفَكُر في تلك الزاويا من الرؤية من جانب الإمام أبو حامد الغزالي.
و الحقيقة كمان ان الكتاب ممتع جدا و هو يروي قصة حياة الإمام منذ نعومة أظافره و كيف عاش و كيف كانت حياته و ما عاناه في طريقه من صعوبات و عقبات و مكائد .. و كيف تخلى عن أفكاره القديمة حين اعتنق التصوف و كيف كان لأخيه الفضل في ارشاده لقتل الأنا التي كانت السبب في كل محنه .
كتاب في رأي يستحق اقتناؤه

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة