«التروبادور»..
هو شاعر ينظم شعرًا مُقَفَّى -له قافية موحدة- و يغنيه و أحيانا يلقيه بمصاحبة آلة موسيقية يعزف عليها بنفسه أو يأتي بعازف يغني أشعاره عليها و أقرب الأشكال إليه هو شاعر الربابة في التراث المصري.
و كان العود و القانون والرق من الآلات الشرقية التي استخدمها التروبادور لمصاحبة أشعاره الغنائية الرومانسية في العصور الوسطى خاصة في الجنوب الفرنسي حيث نشأ هذا الشعر في منطقة البروڤنس- جنوب فرنسا- بالقرب من الحدود مع «الأندلس» -إسبانيا حاليا- تلك المنطقة التي كانت بوابة العرب على أوروبا و التي استقر بها العرب لسنوات و ظل بعضهم يعيش بها حتى بعد انهزامهم في معركة «بواتيه» على يد الفرنجة عام ٧٣٢م - بحسب مصادر تاريخية عربية و أجنبية- و من هذه المنطقة انتشر هذا النمط الشعري في أوروبا.
يرى الكاتب السويسري «Denis de Rougemont » في كتابه
« Love in the Western World» أن مفاهيم الحب التي تَعرَّض لها شعر التروبادور لم تكن تعكس العادات الاجتماعية جنوبي فرنسا.. بل كانت مفاهيم مستوردة على الثقافة الفرنسية الجنوبية.
كما يؤكد عالم اللغويات الفرنسي الشهير « Alfred Jeanroy» في كتابه
«Les chansons de Guillaume IX» أن أول من نظم الشعر الغنائي ذي القافية التي تُكسب الشعر موسيقى في أوروبا كان التروبادور/الشاعر..
«Guillaume IX» في القرن الثاني عشر الميلادي و الذي بدأ نشاطه الشعري عقب عودته من المشرق العربي عام ١١٠٠ إثر اشتراكه في حملة صليبية.
بينما يوضح محمد عباس– نقلًا عن مصادر أوروبية- أن «جيوم التاسع» و إن تأثر بالمشرق العربي فإنه كان أيضا محتكا بالثقافة العربية من جهة الغرب الأندلسي حيث تأثر بالغناء و الشعر العربي عن طريق جوارٍ سباهن والده من الأندلس كُنَّ يتقنَّ الشعر و الغناء العربي و يرددنه في قصر والده.
و عموما كان للأسرى العرب الذين وقعوا في يد الإفرنج الفرنسيين الذين دعموا جيوش الممالك الإسبانية في حربهم مع العرب الأندلسيين دور كبير في انتقال الثقافة العربية إلى هناك حسبما يوضح المستشرق و المؤرخ الفرنسي «ليڤي بروڤنسال» في كتابه «حضارة العرب في الأندلس».
و بجانب الجواري كان للمغنيين الطوَّافين بين البلدان و الذين أُطلِق عليهم لقب «جونجليز» دور كبير في نقل الغناء العربي من الأندلس إلى أوروبا.. فقد تأثروا بهذا الفن الذي كان مزدهرا في الأندلس خاصة بعد هجرة المغني الشهير «زرياب» -الذي توفي سنة ٨٧٥- من بغداد إلى هناك و أعادوا ترديده في الممالك شمالي إسبانيا و جنوبي فرنسا و من هناك إلى باقي أوروبا.
معروف أنه كان لدى العرب ما عُرِفَ بالحب العذري في قصص «قيس و ليلى».. «كثير و عزة».. «جميل و بثينة» و غيرهم.. و هو حب مُنَزّه عن أي غرض مادي.. حب طاهر يتحمَّل العاشق خلاله الويلات من أجل لا شيء إلا هياما في عشيقته التي لا ينال وصالها أبدا لظروف و قيود تمنع اقترابه منها.
و حتى لو سمحت الظروف و اقترب منها يذوب فيما هو أسمى من الاتصال المادي بها حتى أن ليلى أتت قيسا ذات مرة فوجدته ينادي:-
"ليلى، ليلى" و لم يكن يراها بل ينادي عليها و هي ليست موجودة..
فقالت:- "يا قيس أنا ليلى". فنظر إليها و قال:- "إليك عني.. فإن حبك شغلني عنكِ"!.. هنا يتجلّى لنا أن قيسا بات يرى أن حبه لـ ليلى شيء أسمى من وجودها المادي كأحد أنواع الأشكال المبكرة للحب الإلهي الصوفي.
و بصرف النظر عن تشكيك البعض في حقيقة هذه القصص و أبطالها كما فعل عميد الأدب العربي «طه حسين» في كتابه «حديث الأربعاء»و كذلك المُفكر السوري «جلال صادق العظم» في كتابه «في الحب و الحب العذري» إذ اعتبرا أن هذه الحكايات مُحرَّفة حِيكتْ في خيال شعراء ثم نسبوها لقيس أو كُثَير أو غيرهما لكن تبقى أمامنا حقيقة واضحة و هي أن الشعر الذي نُسِبَ إلى هؤلاء العُشاق خلال أحداث قصصهم متداول عربيا منذ العهد الأموي -القرن السابع الميلادي و الأول الهجري- على الأقل وفقا لاستعراضها عبر كتب المصادر العربية التراثية القديمة كـ«الأغاني لـلأصفهاني» و غيره من مراجع تراثية.
هذا النمط من الحب لم يكن معروفا في أوروبا إلا مع ظهور «شعر التروبادور» في القرن الثاني عشر في أجزاء من فرنسا و إيطاليا و من أوائل من تطرقوا إليه كان التروبادور «جيوم دو مونتاناجول Guilhem de Montanhagol» الذي قال:- "من يخدع في الحب و يدعو سيدته إلى ارتكاب الخطأ ليس بعاشق لأن العاشق الحقيقي لا يقبل المساس بشرف سيدته".
معتبرا أن مَن سبقوه لم يقولوا شيئا في الحب لأنهم لم يتطرقوا إلى العفاف.
هذه النظرة التي استوردها «مونتاناجول» من الأندلس عن طريق المغنيين «الجونجليز» في القرن١٣ تسببت في غضب الكنيسة عليه هو و من سار على نهجه حيث اعتبروه مهرطقا يضع المرأة في مكانة لا تليق بها من التبجيل و الاحترام و المساواة مع الرجل و كان جزاؤه النفي إلى «أراجون» و كذلك حدث مع غيره من التروبادور الذين تبنوا نفس الأفكار بحسب ما يذكر الأنثروبولوجي والروائي الفرنسي « Robert Briffault» في كتابه
«Les troubadours et le sentiment Romanesque».
و من صور الحب في شعر التروبادور صورة المعشوقة التي يعشقها الشاعر بالسماع عنها فقط و لا يرِد اسمها في القصيدة لعدم القدرة على الوصول إليها و خطورة هذا الاتصال.
هذا النوع من الحب بالوصف كان شائعا في الأندلس قبل ظهور التروبادور بفترة طويلة حتى أن «ابن حزم الأندلسي» المتوفي سنة ١٠٦٤م أفرد بابا في كتابه «طوق الحمامة» عن «الحب بالوصف»، لفت فيه النظر إلى أن أكثر من كُتِب فيهن هذا الشعر كنَّ من ربات القصور المحجوبات اللاتي يصعب الوصول إليهن. و يبدو أن ابن حزم نفسه عاش هذه الحالة إذ قال فيها:-
و يامن لامني في حبٍ من لم يره طَرفي
لقد أفرطتَ في وصفك لي في الحب بالضعفِ
فقل هل تُعرف الجنة يوما بسوى الوصفِ؟!
و هناك صورة أخري تتمثل في إخفاء اسم الحبيبة مع وجود اتصال حقيقي بها حيث يواعدها الشاعر و يلتقيها.. لكنه يكتم هواها خوفا عليها و يستعيض عن ذكر اسمها بلقب ذكوري يلقبها به.
فكان «جيوم التاسع» يلقب حبيبته في شعره بـ«الجار الطيب»، أما «رامبو دو فاكيرا» فكان يلقبها بـ«الفارس الجميل» و هو أمر لم تعهده أوروبا قبل التروبادور بحسب ما يوضح اللغوي الفرنسي « Alfred Jeanroy» في كتابه «أشعار التروبادور الغنائية La poésie lyrique des Troubadours ».
و هو ذات النهج الذي كان فيه الأندلسيون سبّاقون كالعادة و كان من ضمن الموضوعات الغزلية لدى شعراء التروبادور ما يعرف بـ«الفجريات» و هي الأشعار التي تحكي عن لقاءات العاشقين ليلا تخفيا من أعين الرقباء الذين يطاردون هذا الحب و يقمعونه. و من شدة المتعة يمر الوقت سريعا..
فإذا بالنور نذيرٌ طالعٌ و إذا الفجر مطلٌ كالحريق.. يأكل أشواقهما قبل أن يشبعا من بعضهما و يرضيا شغفهما الذي لا ينتهي.
هذا الموضوع شائع جدًا في الشعر العربي القديم و انتقل إلى الأندلس مع العرب و منه إلى الجيل الثاني من التروبادور و سموه «Alba».
و من أوائل من كتبوا فيه كان التروبادور «Guiraut de Bornelh».. الموسيقى و الألحان في الكليب أدناه
هي من نوع ما كان يُعزف علي العود او غيره من الآلات الموسيقة في ذاك الزمان .
تعليقات
إرسال تعليق